4022234284305994 ::: منتديات دلع - القلب الحكيم ::: - عرض مشاركة واحدة - أبو القاسم الشابي
عرض مشاركة واحدة

قديم 09-10-18, 02:03 PM   #9
الصورة الرمزية القلب الحكيم
رقم العضوية : 1
المشاركات : 155,377
بمعدل : 29.81 يوميا
عدد النقاط : 23
الانتساب : Jun 2006
القلب الحكيم is on a distinguished road
الحالة
القلب الحكيم غير متصل
افتراضي رد: أبو القاسم الشابي

في جبالِ الهمومِ أنْبتُّ أغصاني
فَرَفّتْ بَيْنَ الصُّخورِ بِجُهْدِ
وتَغَشَّانيَ الضَّبابُ فأورقتُ
وأزْهَرتُ للعَواصفِ وَحْدي
وتمايلتُ في الظَّلامِ وعَطّرتُ
فَضاءَ الأسى بأنفاسِ وَردي
وبمجدِ الحياةِ والشوقِ غنَّيْتُ
فلم تفهمِ الأعاصيرُ قَصْدي
ورَمَتْ للوهادِ أفنانيَ الخضْرَ
وظلّتْ في الثَّلْجِ تحفر لَحْدي
ومَضتْ بالشَّذى فَقُلتُ ستبني
في مروجِ السَّماءِ بالعِطر مَجْدي
وتَغَزلْتُ بالرَّبيعِ وبالفجرِ
فماذا ستفعلُ الرّيحُ بعدي

يا لَيْتَ شِعْري هلْ لِلَيْلِ الن
نَفْسِ مِنْ صُبحٍ قَريبْ
فَتَقُرَّ عاصِفَةُ الظَّلامِ
ويَهْجَعَ الرَّعْدُ الغَضُوبْ
ويُرَتِّلَ الإنْسانُ أُغْنِيَةً
مع الدُّنيا طُرُوبْ
ما للرِّياحِ تَهُبُّ في
الدُّنيا ويدرِكُها اللُّغوبْ
إلاَّ رياحي فهيَ جامِحَةٌ
تَمَرُّدُهَا عَصيبْ
ما لي تُعَذِّبني الحياةُ
كأنَّني خلْقٌ غَريبْ
وتَهُدُّ من قلبي الجميلِ
فهلْ لقلبي مِنْ ذُنوبْ
وإذا سَأَلْتُ لِمَ الوجودُ
وكُلُّهُ همٌّ مُذيبْ
قالتْ نواميسُ السَّماءِ قَضَتْ
وما لكَ مِنْ هُرُوبْ
آهٍ على قلبي وإنْ
شَقيتُ كَشَقْوَتِهِ قُلُوبْ
أَنقى مِنَ الموج الوضيءِ
ومِنْ نَشيد العَندليبْ
لم تَقْتَرفْ إِثمَ الحياةِ
وكان مأواها اللَّهيبْ
يا مُهْجَةَ الغابِ الجميلِ
ألمْ يُصَدِّعْكِ النَّحيبْ
يا وجْنَةَ الوردِ الأنيق
ألمْ تشوِّهْكِ النُّدوبْ
يا جدوَلَ الوادي الطَّروبَ
أَلمْ يُرَنِّقْكَ القُطُوبْ
يا غيمَةَ الأُفقِ الخضيبِ
أَلمْ تُمَزِّقْكِ الخُطوبْ
يا كوكبَ الشَّفَقِ الضَّحوكَ
أَمَا ألمَّ بكَ الشُّحُوبْ
ها أَنْتَ ذا في الأُفقِ
تَضْحَكُ لا تُهَمُّ ولا تَخِيبْ
تُلقي على قُنَنِ الجبالِ
رِداءَ لأْلاءٍ قَشيبْ
لِتَنامَ أورادُ الجبالِ الشُمِّ
في مهدٍ عَجيبْ
ولكي تغنّيكَ الجَداولُ
لَحْنَها العَذْبَ الحَبيبْ
وتَرَى جَمَالكَ مِنْ بناتِ
الغابِ مِعطارٌ لَعُوبْ
معشوقةٌ في فَرْعِها
تاجٌ مِنَ الوَرْدِ الخَضيبْ
تَتْلُو أناشيدَ الرَّبيعِ
كأنَّها نَجْوَى القُلُوبْ
يا كوكبَ الشَّفَقِ الضَّحُوكِ
وأنتَ مبْتَهَلُ الكَئِيبْ
لُحْ في السَّماءِ وغنِّ
أبناء الشَّقاوَةِ والخُطوب
أنشودةً تَهَبُ العَزاءَ
لِكلِّ مُبتئسٍ غَريبْ
فالطَّير قدْ أغفتْ وأَسْكَتَ
صوتَها اللَّيلُ الهَيُوبْ
وابسطْ جَناحَكَ في الوُجودِ
فإنَّهُ عَذْبٌ خَلُوبْ
مُتَأَلِّقٌ بَيْنَ النُّجومِ
كأنَّهُ حُلْمٌ طَرُوبْ
وانْشُرْ ضِياءَكَ ساطعاً
ليُنِيرَ أعماقَ القُلُوبْ
فعَلى جَوانِبِها من الأحزانِ
دَيْجُورٌ رَهِيبْ
مَا للمِياهِ نقيَّةٌ حوْلي
ويُنْبُوعي مَشُوبْ
مَا للصَّباحِ يَعودُ للدُّنيا
وصُبْحِي لا يَؤُوبْ
مَا لي يَضِيقُ بي الوجودُ
وكلُّ مَا حَولي رَحيبْ
مَا لي وَجَمْتُ وكلُّ مَا
في الغابِ مُغْتَرِدٌ طَروبْ
مَا لي شَقِيتُ وكلُّ مَا
في الكونِ أَخَّاذٌ عَجيبْ
في الأَرضِ أقدامُ الرَّبيع
تُلامِسُ السَّهْلَ الجَديبْ
فإذا به يحيا ويُنْبِتُ
رائقَ الزَّهرِ الرَّطيبْ
وهُناكَ أَنْوارُ النَّهارِ تُطِلُّ
مِنْ خَلْفِ الغُروب
فَتُخَضِّبَ الأمواجَ والآفاقَ
والجَبَل الخَصيبْ
إنَّ الوُجودَ الرَّحْبَ
والغَاباتِ والأُفقَ الخَضيبْ
لمْ يَخْبو أشواقُ الحياةْ بها
فَغَادَرَها القُطُوبْ
أمَّا أنا فَفَقَدْتُها
واللَّيلُ مُرْبَدٌّ رَهيبْ
والرِّيحُ تَعْصِفُ بالورود
فعِشْتُ سُخْرِيَةَ الخُطوب
مهما تَضَاحَكَتِ الحياةُ
فإنَّني أبداً كَئيبْ
أُصْغي لأَوجاعِ الكآبَةِ
والكآبَةُ لا تُجيبْ
في مهْجَتي تَتَأوَّهُ البَلْوى
ويَعْتَلِجُ النَّحيبْ
ويَضُجُّ جبَّارُ الأسى
وتَجيشُ أمواجُ الكُرُوبْ
إنِّي أنا الرُّوحُ الَّذي
سيظَلُّ في الدُّنيا غَريبْ
ويَعيشُ مُضْطَلِعاً بأحزانِ
الشَّبيبَةِ والمَشِيبْ

يَوَدُّ الفتى لوْ خاضَ عاصِفَةَ الرَّدَى
وصَدَّ الخميسَ المَجْرَ والأَسَدَ الوَرْدا
ليُدْرِكَ أَمجادَ الحُروبِ ولوْ دَرَى
حقيقَتَها مَا رامَ مِنْ بيْنها مَجْدا
فما المجدُ في أنْ تُسْكِرَ الأَرضَ بالدِّما
وتَرْكَبَ في هَيْجَائها فرساً نهْدا
ولكنَّهُ في أَنْ تَصُدَّ بِهمَّةٍ
عَن العالمِ المرْزُوءِ فيْضَ الأَسى صَدَّا

يا أَيُّها الغابُ المُنَمْ
مَقُ بالأَشعَّةِ والوردْ
يا أَيُّها النُّورُ النَّقِيٌّ
وأيُّها الفجرُ البعيدْ
أين اختفيتَ وما الَّذي
أَقْصاكَ عن هذا الوُجُودْ
آهٍ لقدْ كانتْ حَياتي
فيكَ حالمةً تَمِيدْ
بَيْنَ الخَمائِلِ والجَداوِلِ
والتَّرنُّمِ والنَّشيدْ
تُصغي لنجواكَ الجميلَةِ
وهي أُغنِيَةُ الخٌلودْ
وتعيشُ في كونٍ من
الغَفَلاتِ فتَّانٍ سَعيدْ
آهٍ لقدْ غنَّى الصَّباحُ
فدَمْدَمَ اللَّيلُ العَتيدْ
وتأَلَّقَ النَّجمُ الوضِيءُ
فأَعْتَمَ الغيمُ الرَّكُودْ
ومضَى الرَّدى بسَعَادتي
وقضى على الحُبِّ الوَليدْ

أَزَنْبَقَةَ السّفْحِ مَا لي أَراكِ
تعَانِقُكِ اللَّوْعَةُ القَاسِيهْ
أَفي قلبِكِ الغَضِّ صوتُ اللَّهيب
يرتِّل أُنْشودَةَ الهاويَهْ
أَأَسْمَعَكِ اللَّيلُ نَدْبَ القُلُوبِ
أَأَرْشَفَكِ الفَجْرُ كأسَ الأَسى
أَصَبَّ عليكِ شُعاعُ الغروبِ
نجيعَ الحَيَاةِ وَدَمْعَ المَسا
أَأَوْقَفَكِ الدَّهرُ حيثُ يُفجِّ
رُ نَوحُ الحَيَاةِ صُدُوعَ الصُّدورْ
وينبثقُ اللَّيْلُ طيفاً كئيباً
رهيباً ويخفقُ حُزْنُ الدُّهُورْ
إِذا أَضْجَرَتْكِ أغاني الظَّلامِ
فَقَدْ عَذَّبَتْني أَغانِي الوُجومْ
وإنْ هَجَرَتْكِ بَناتُ الغيومِ
فقدْ عانَقَتْني بناتُ الجَحيمْ
وإنْ سَكَبَ الدَّهْرُ في مسمعيْكِ
نَحيبَ الدُّجَى وأَنينَ الأَمَلْ
فَقَدْ أَجَّجَ الدَّهرُ في مهجتي
شُواظاً مِنَ الحَزَنِ المُشْتَعِلْ
وإنْ أَرْشفتْكِ شِفاهُ الحَيَاةِ
رُضابَ الأَسى ورَحيقَ الأَلمْ
فإنِّي تجرَّعتُ من كفِّها
كُؤوساً مؤجَّجةً تَضْطَرِمْ
أَصيخي فَمَا بَيْنَ أَعشارِ قلبي
يرفُّ صَدَى نَوْحِكِ الخافِتِ
مُعيداً على مُهجتي بحَفِيفِ
جَناحَيْهِ صَوْتَ الأَسى المائتِ
وقد أَترعَ اللَّيلُ بالحُبِّ كأسي
وشَعْشَعَها بلَهيبِ الحَيَاةْ
وَجَرَّعني مِنْ ثُمالاتِهِ
مَرارَةَ حُزْنٍ تُذيبُ الصَّفاةْ
إليَّ فقدْ وَحَّدَتْ بيننا
قَساوَةُ هذا الزَّمان الظَّلُومْ
فقد فَجَّرتْ فيَّ هذي الكُلُومَ
كما فجَّرتْ فيكِ تلكَ الكُلومْ
وإنْ جَرَفَتْني أَكفُّ المنونِ
إلى اللَّحْدِ سَحَقكِ الخطوبْ
فَحُزْني وحُزْنُكِ لا يَبْرَحانِ
أَلِيفَيْنِ رغْمَ الزَّمانِ العصيب
وتحتَ رواقِ الظَّلامِ الكَئيبِ
إِذا شَمَلَ الكونَ روحُ السَّحَرْ
سَيُسْمَعُ صوتٌ كَلَحْنٍ شجيٍّ
تطايَرَ مِنْ خَفَقَاتِ الوَتَرْ
يُرَدِّدُهُ حُزْنُنا في سكونٍ
على قَبْرِنا الصَّامتِ المطمئنْ
فَنَرقُدُ تَحْتَ التُّرابِ الأَصمِّ
جميعاً على نَغَمَاتِ الحَزَنْ

يا رفيقي مَا أحسبُ المنبعَ المنشودَ
إلاَّ وراءَ ليلِ الرِّجَامِ
غنِّني يا أُخَيَّ فالكوْنُ تَيْهَاءُ
بها قَدْ تمزَّقتْ أَقْدامي
غنِّني علَّني أُنيمُ همومي
إنَّني قَدْ مَلَلْتُ مِنْ تَهْيامي
يا رفيقي أَما تفكَّرْتَ في النَّاسِ
وما يحملونَ مِنْ آلامِ
فلقدْ حزَّ في فؤادي مَا
يَلْقَوْنَ من صَوْلَةِ الأَسى الظَّلاَّمِ
فإذا سرَّني من الفجرِ نورٌ
ساءَني مَا يُسِرُّ قلبُ الظَّلاَمِ
كمْ بقلبِ الظَّلامِ مِنْ أنَّةٍ
تهفو بغصَّاتِ صِبْيَةٍ أَيتامِ
وَنشيجٍ مُضرّمٍ من فتاةٍ
أَبْهَظَتْها قَوارِعُ الأَيَّامِ
ونُواحٍ يَفيضُ من قلبِ أُمٍّ
فُجِعَتْ في وحيدها البسَّامِ
فَطَمَ الموتُ طفلَها وهو نورٌ
في دُجاها من قبلِ عهدِ الفِطامِ
وأَنينٍ مِنْ مُعْدَمٍ ذي سَقامٍ
عضَّهُ الدَّهرُ بالخُطُوبِ الجِسامِ
مَا إخالُ النُّجُومَ إلاَّ دُموعاً
ذَرَفَتْها محاجِرُ الأَعوامِ
فَلَقَدْ ضرَّمَ الشُّجونَ بنوها
فإذا بالشُّجونِ سَيْلٌ طَامِ
وإذا بالحَيَاةِ في ملعَبِ الدَّهْرِ
تَدوسُ الرُّؤُوسَ بالأَقْدامِ
وإذا الكونُ فِلْذَةٌ مِنْ جحيمٍ
تَتَغَذَّى بكلِّ قلبٍ دَامِ
وهُمُ في جَحيمِهِمْ يَتَنَاغَوْنَ
بما في الوُجُودِ مِنْ أَنْغامِ
عجباً للنُّفوسِ وهيَ بَوَاكٍ
عجباً للقلوبِ وهيَ دَوَامِ
كيف تشدو وفي محاجرها الدَّمْعُ
وتلهو مَا بَيْنَ سُودِ المَوَامِي
يا رفيقي لقد ضَلَلْتُ طريقي
وتَخَطَّتْ مِحَجَّتي أَقدامي
خُذْ بكفِّي فإنَّني تائِهٌ أعمى
كثيرُ الضَّلالِ والأَوهامِ
وانْفُخِ النَّايَ فالحَيَاةُ ظَلامٌ
مَا لِمُرْتادِهِ من الهَوْلِ حَامِ
مِلءُ آفاقِهِ فَحيحُ الأَفاعي
وعَجيجُ الآثامِ والآلامِ
فانْفُخِ النَّايَ إنَّهُ هِبَةُ
الأَملاكِ للمستعيذِ بالإِلهامِ
واغذُذِ السَّيْرَ فالنَّهارُ بعيدٌ
وسَبيلُ الحَيَاةِ جَمُّ الظَّلامِ

يا أيها السَّادرُ في غَيِّهِ
يا واقِفاً فَوْقَ حُطَامِ الجِباهْ
مهلاً ففي أَنَّاتِ من دُسْتَهُمْ
صوتٌ رهيبٌ سوفَ يَدْوِي صَدَاهْ
لا تأمَنَنَّ الدَّهْرَ إمَّا غَفَا
في كهفِهِ الدَّاجي وطالتْ رُؤَاهْ
فإنْ قَضَى اليومُ وما قَبْلَهُ
ففي الغدِ الحيِّ صَبَاحُ الحَياهْ
يا أَيُّها الجبَّارُ لا تزدري
فالحقُّ جبَّارٌ طويلُ الأَنَاهْ
يَغْفَى وفي أَجْفَانِهِ يقْظَةٌ
ترنو إلى الفَجْرِ الَّذي لا تَرَاهْ

مَا كنتُ أَحْسَبُ بعدَ موتكَ يا أَبي
ومشاعري عمياءُ بالأَحزانِ
أَنِّي سأَظمأُ للحياةِ وأَحتسي
مِنْ نهْرِها المتوهِّجِ النَّشوانِ
وأَعودُ للدُّنيا بقلبٍ خافقٍ
للحبِّ والأَفراحِ والأَلحانِ
ولكلِّ مَا في الكونِ من صُوَرِ المنى
وغرائِبِ الأَهواءِ والأَشْجانِ
حتَّى تَحَرَّكَتِ السُّنونُ وأَقبلتْ
فِتَنُ الحَيَاةِ بسِحْرِها الفتَّانِ
فإذا أَنا مَا زلتُ طفلاً مُولَعاً
بتعقُّبِ الأَضواءِ والأَلوانِ
وإذا التَّشاؤُمُ بالحَيَاةِ ورفضُها
ضرْبٌ من البُهْتانِ والهَذَيانِ
إنَّ ابنَ آدمَ في قرارَةِ نفسِهِ
عبدُ الحَيَاةِ الصَّادقُ الإِيمانِ

بالأَمسِ قَدْ كانتْ حَياتي
كالسَّماءِ الباسِمَهْ
واليومَ قَدْ أمسَتْ كأَعماقِ
الكُهُوفِ الواجِمَهْ
قَدْ كانَ لي مَا بَيْنَ
أَحلامي الجَميلة جَدْوَلُ
يَجْري بهِ ماءُ المَحَبَّةِ
طَاهراً يَتَسَلْسَلِ
تَسْعى بهِ الأَمواجُ
باسمةً كأَحْلامِ الصِّبَا
بَيْضاءَ ناصِعَةً ضَحوكاً
مِثْلَ أزْهارِ الرُّبى
ميَّاسةً كَعَرائِسِ الفِرْدَوْسِ
بَيْنَ حُقُولِهِ
تَتْلو أناشيدَ المُنى
في مَدِّهِ وقُفُولِهِ
هوَ جدولُ الحُبِّ الَّذي
قَدْ كانَ في قلبي الخَضِلْ
بمَراشِفِ الأَحلامِ مُنْطلقاً
يسيرُ على مَهَلْ
يتلو على سَمْعي
أَغاريدَ الحَيَاةِ الطَّاهرَهْ
ويُثيرُ في قلبي
أَناشيدَ الخُلُودِ السَّاحِرَهْ
تَقِفُ العَذَارَى الخالِداتُ
عَرَائِسُ الشِّعْرِ البَديعْ
في ضفَّتَيْهِ مُردِّداتٍ
نَغْمَةَ الحُلْمِ الوَديعْ
يَلْمُسْنَ من قيثارَةِ الأَحلامِ
أَوتارَ الغَزَلْ
فَتَفيضُ أَلحانُ الصَّبابَةِ
عَذْبَةً مِثْلَ الأَمَلْ
وتَطيرُ بالبَسَماتِ والأَنْغامِ
أَجنحَةُ الصَّدى
في ذلكَ الأُفُقِ الجَميلِ
وذلكَ النَّسَمِ الرُّخا
وهُناكَ حيثُ تُعانِقُ
البَسَماتُ أَنْغَامَ الغَزَلْ
يَتَمَايلُ الحُلُمُ الجميلُ
كنَسْمَةِ القَلْبِ الثَّمِلْ
هُوَ جدولٌ قَدْ فجَّرت
ينبوعَهُ في مهجَتي
أَجْفانُ فاتنةٍ أَرَتْنِيها
الحَيَاةُ لشَقْوَتي
أَجْفانُ فاتنةٍ تراءَتْ
لي على فَجْرِ الشَّبابْ
كَعَرُوسةٍ مِنْ غانِياتِ الشِّعْرِ
في شَفَقِ السَّحَابْ
ثمَّ اخْتَفَتْ خَلْفَ السَّماءِ
وراءَ هاتيكَ الغُيُومْ
حيثُ العَذارى الخالِداتُ
يَمِسْنَ مَا بَيْنَ النُّجُومْ
ثمَّ اختَفَتْ أوَّاهِ
طائرةً بأَجْنِحَةِ المَنُونْ
نحوَ السَّماءِ وها أَنا
في الأَرضِ تمثالُ الشُّجُونْ
قَدْ كانَ ذلك كُلُّهُ بالأَمسِ
بالأَمسِ البَعيدْ
والأَمسُ قَدْ جَرَفَتْهُ مقهوراً
يدُ الموتِ العَتِيدْ
قَدْ كانَ ذلكَ تَحْتَ ظِلِّ
الأَمسِ والماضي الجَميلْ
قَدْ كانَ ذلك في شُعاعِ
البَدْرِ مِنْ قَبْلِ الأُفُولْ
واليومَ إذْ زالتْ ظِلالُ
الأَمسِ عَنْ زَهَري البَديعْ
وتَجَلْبَبَ الزَّهرُ الجميلُ
بظُلْمَةِ اللَّيلِ المُريعْ
ذَبُلَتْ مَرَاشِفُهُ فأَصبحَ
ذَوياً نِضْوَ الكُلُومْ
وهوَى لأنَّ اللَّيلَ أَسْمَعَهُ
أَناشيدَ الوُجُومْ
بالأَمسِ قَدْ كانتْ حَياتي
كالسَّماءِ الباسِمَهْ
واليومَ قَدْ أمسَتْ كأَعماقِ
الكُهُوفِ الواجِمَهْ
إذْ أَصبحَ النَّبْعُ الجَميعُ
يسيرُ في وادي الأَلَمْ
مُتَعَثِّراً بَيْنَ الصُّخورِ
يَغُورُ في تِلْكَ الظُّلَمْ
جَفَّتْ بهِ أَمواجُ
ذيَّاكَ الغرامِ الآفلِ
فَتَدَفَّقَتْ فيهِ الدُّمُوعُ
بصَوبِها المُتَهاطِلِ
قَدْ حَجَّبَتْهُ غُيومُ
أَحزانِ الوُجُودِ القاتِمهْ
قَدْ أَخْرَسَتْهُ مَرارَةُ
القَلْبِ التَّعيسِ الظَّالمهْ
جَمدتْ على شَفَتَيْهِ
أَنغامُ الصَّبابَةِ والهَوى
وَقَضَتْ أَغاني الحُبُّ
في أَعْماقِهِ لمَّا هوى
وعَدَتْ به الأَمواجُ
جامِدَةَ المَلامِحِ قاتمهْ
قَدْ أَسكَتَتْها لوعَةُ
الرُّوحِ الحزينِ الوَاجمهْ
غاضَتْ أَمانيها وغارَ
بها الجَمالُ السَّاحرُ
فأَصابها لَهَفاً عليهِ
الاكْتِئابُ الكَافرُ
في ضفَّتيه عرائسُ
الأَشْعارِ تنصُبُ مأتما
يهْرُقْنَ فيهِ الدَّمْعَ حتَّى
يَلْطُمَ الدَّمعَ الدَّما
فَيَسيلُ ذاكَ المَدْمَعُ
الدَّامي لقَلْبِ الجدولِ
حيثُ المَرَارَةُ والأَسى
بَيْنَ الزُّهُورِ الذُّبَّلِ
ويَنُحْنَ حتَّى يُفْعِمُ
الآفاقَ صَوتُ الانْتِحابْ
فتسيرُ أَصداءُ النِّيَاحَةِ
نحو أَطباقِ الضَّبابْ
وهناكَ مَا بَيْنَ الضَّبابِ
الأَقْتَمِ السَّاجي الكئيبْ
تَهْتَزُّ آلامي وتخْتَلِجُ
الكآبَةُ بالنَّحيبْ

أَيُّ ناسٍ هذا الوَرَى مَا رأى
إلاَّ برايا شقيَّةً مجنونَهْ
جبَّلتْها الحَيَاةُ في ثورة اليأ
سِ من الشَّرِّ كيْ تُجِنُّ جُنُونَهْ
فأَقامتْ لهُ المعابدَ في الكو
نِ وصَلَّتْ لهُ وشَادَتْ حُصُونَهْ
كم فتاةٍ جميلةٍ مدحوها
وتغنَّوْا بها لكيْ يُسْقِطوها
فإذا صانَتِ الفَضيلَةَ عابو
ها وإنْ باعتِ الخَنَا عبدوها
أَصْبَحَ الحسنُ لعنةً تهبط الأَر
ضَ ليَغْوى أَبناؤُها وذووها
وشقيٍّ طافَ المدينَةَ يستج
دي ليَحْيَا فخيَّبوه احتقارا
أيقظوا فيهِ نزْعَةَ الشَّرِّ فانْقَضَّ
على النَّاسِ فاتكاً جبَّارا
يبذُرَ الرُّعبَ في القُلُوبِ ويُذكي
حيثما حلَّ في الجوانحِ نارا
ونبيٍّ قَدْ جاءَ للنَّاسِ بالحَقِّ
فكالوا لهُ الشَّتائمَ كَيْلا
وتنادَوْا بهِ إلى النَّارِ فالنَّا
رُ بِرُوحِ الخبيثِ أَحْرى وأَوْلى
ثمَّ ألقوْهُ في اللَّهيبِ وظلُّوا
يَملأون الوُجُودَ رُعباً وهوْلا
وَشُعوبٍ ضعيفةٍ تتلظَّى
في جحيمِ الآلامِ عاماً فعاما
والقويُّ الظَّلومُ يَعْصِرُ مِنْ
آلامها السُّودِ لَذَّةً ومُدَاما
يتحسَّاهُ ضاحكاً لا يراها
خُلِقَتْ في الوُجُودِ طعاما
وفتاةً حسبتَها معْبَدَ الحبِّ
فأَلفيتَ قلبَها ماخُورا
ونبيلٍ وجدتَهُ في ضياءِ الفَجْ
رِ قلباً مدَبَّساً شرِّيرا
وزعيمٍ أجلَّهُ النَّاسُ حتَّى
ظنَّ في نفسِهِ إلهاً صغيرا
وخبيثٍ يعيشُ كالفأسِ هدَّا
ماً ليُعْلي بَيْنَ الخَرابِ بناءهْ
وقميءٍ يُطاوِلُ الجَبَلَ العا
لي فللّه مَا أَشَدَّ غَبَاءهْ
ودنيءٍ تاريخُهُ في سِجِلِّ
الشَّرِّ إِفْكٌ وقِحَّةٌ ودَنَاءهْ
كانَ ظنِّي أنَّ النُّفوسَ كبارٌ
فوجدتُ النُّفوس شيئاً حقيرا
لوَّثَتْهُ الحَيَاةُ ثمَّ استمرَّتْ
تبذُرُ العالَمَ العَريضَ شُرورا
فاحصدوا الشَّوْكَ يا بنيها وضِجُّوا
وامْلأوا الأَرضَ والسَّماءَ حُبورا

أَدركتَ فَجْرَ الحَيَاةِ أَعمًى
وكنتَ لا تَعْرِفُ الظَّلامْ
فأَطْبَقَتْ حَوْلَكَ الدَّياجِي
وغامَ مِنْ فوْقِكَ الغَمَامْ
وعِشْتَ في وَحْشَةٍ تُقاسي
خواطراً كلّها ضرامْ
وغُرْبَة مَا بِها رَفيقٌ
وظلمةٍ مَا لها خِتامْ
تشقُّ تِيهَ الوُجُودِ فرداً
قَدْ عضَّكَ الفَقْرُ والسُّقَامْ
وطارَدَتْ نَفْسَكَ المآسي
وفَرَّ مِنْ قَلْبِكَ السَّلامْ
هوِّنْ على قلبك المعنَّى
إنْ كُنْتَ لا تُبْصِرُ النُّجُومْ
ولا ترى الغابَ وهو يلغو
وفوقه تَخْطُرُ الغُيومْ
ولا ترى الجَدْوَلَ المغنِّي
وحَوْلَهُ يَرْقُصُ الغيمْ
فكلُّنا بائسٌ جديرٌ
برأْفَةِ الخَالقِ العَظيمْ
وكلُّنا في الحَيَاةِ أعمى
يَسُوقهُ زَعْزَعٌ عَقِيمْ
وحوله تَزْعَقُ المنايا
كأنَّها جنَّةُ الجَحِيمْ
يا صاحِ إنَّ الحَيَاة قفرٌ
مروِّعٌ ماؤهُ سَرَابْ
لا يجتني الطَّرْفُ منه إلاَّ
عَواطفَ الشَّوْكِ والتُّرابْ
وأَسعدُ النَّاس فيه أَعمى
لا يُبْصِرُ الهول والمُصَابْ
ولا يرى أَنْفُسَ البرايا
تَذُوبُ في وقْدَةِ العَذَابْ
فاحمد إِلهَ الحَيَاةِ واقنعْ
فيها بأَلْحانِكَ العِذَابْ
وعِشْ كما شاءَتِ اللَّيالي
مِنْ آهَةِ النَّايِ والرَّبَابْ

قَدَّْسَ اللهُ ذِكْرَهُ مِنْ صَبَاحٍ
ساحرٍ في ظِلالِ غابٍ جميلِ
كانَ فيه النَّسيمُ يرقُصُ سَكْراناً
على الوردِ والنَّباتِ البَليلِ
وضَبابُ الجبالِ يَنْسابُ في رفقٍ
بديعٍ على مُروج السُّهولِ
وأَغاني الرُّعاةِ تخفُقُ في الأَغوارِ
والسَّهْلِ والرُّبى والتُّلولِ
ورحابُ الفضاءِ تعبُقُ بالأَلحانِ
والعِطْرِ والضِّياءِ الجَميلِ
والملاكُ الجميلُ مَا بَيْنَ ريحانٍ
وعُشْبٍ وسِنديانٍ ظَليلِ
يتغنَّى مع العَصافيرِ في الغابِ
ويرنو إلى الضَّبابِ الكَسُولِ
وشعورُ الملاكِ ترقُصُ بالأَزهارِ
والضوءِ والنَّسيمِ العَليلِ
حُلُمٌ ساحرٌ به حَلُمَ الغابُ
فَوَاهاً لحُلْمِهِ المَعْسولِ
مِثْلُ رؤيا تَلوحُ للشَّاعرِ الفنَّانِ
في نشوَةِ الخيالِ الجَليلِ
قَدْ تَمَلَّيْتُ سحرَهُ في أناةٍ
وحنانٍ ولَذَّةٍ وذُهولِ
ثُمَّ ناديتُ حينما طفحَ السِّحْرُ
بأَرجاءِ قلبيَ المبتولِ
يا شُعورٌ تميدُ في الغابِ بالرَّ
يحانِ والنّورِ والنَّسيمِ البَليلِ
كَبِّليني بهاتِهِ الخِصَلِ المرخَاةِ
في فتنَةِ الدَّلالِ المَلُولِ
كبِّلي يا سَلاسلَ الحبِّ أفكا
ري وأحلامَ قلبيَ الضَّلِّيلِ
كبِّليني بكلِّ مَا فيكِ من عِطْرٍ
وسحرٍ مُقَدَّسٍ مَجْهولِ
كبِّليني فإنَّما يُصْبِحُ الفنَّان
حرًّا في مِثْلِ هذي الكُبولِ
ليت شعري كم بَيْنَ أمواجِكِ السُّو
دِ وطيَّاتِ ليلِكِ المسدولِ
مِنْ غرامٍ مذَهَّبِ التَّاجِ ميْتٍ
وفؤادٍ مصفَّدٍ مغلولِ
وزهورٍ من الأَمانيِّ تذوي
في شُحُوبٍ وخيبةٍ وخمولِ
أنتِ لا تعلمين واللَّيْلُ لا يعلَمُ
كم في ظلامِهِ مِنْ قَتيلِ
أَنتِ أُرْجوحَةُ النَّسيمِ فميلي
بالنَّسيمِ السَّعيدِ كلَّ مَمِيلِ
ودَعي الشَّمسَ والسَّماءَ تُسَوِّي
لكِ تاجاً من الضِّياءِ الجميلِ
ودَعي مُزْهِرَ الغُصُونِ يُغَشِّي
كِ بأَوراقِ وَردهِ المطلولِ
للشُّعاعِ الجميلِ أنتِ وللأنسا
مِ والزَّهر فالْعَبي وأَطيلي
يا عروسَ الجبالِ يا وردَةَ الآ
مالِ يا فتنةَ الوُجُودِ الجليلِ
ليتني كنتُ زَهْرَةً تتثنَّى
بَيْنَ طيَّاتِ شَعْرِكِ المصقولِ
أَو فَراشاً أَحومُ حولكِ مسحوراً
غريقاً في نشوتي وذُهُولي
أَو غصوناً أَحنو عليكِ بأَوراقي
حُنُوَّ المدَلَّهِ المتبولِ
أَو نسيماً أَضمُّ صدركِ في رِفقٍ
إلى صدريَ الخفوقِ النَّحيلِ
آهِ كم يُسْعِدُ الجمالُ ويُشْقي
مِنْ قلوبٍ شِعْرِيَّةٍ وعقولِ

رَفْرَفَتْ في دُجْيَةِ اللَّيْلِ الحَزينْ
زُمرةُ الأَحْلامْ
فَوْقَ سِرْبٍ من غَمَاماتِ الشُّجُونْ
مِلْؤُها الآلامْ
شَخَصَتْ لمَّا رَأَتْ عَيْنُ النُّجُومْ
بَعْثَةَ العُشَّاقْ
وَرَمَتْها مِنْ سَمَاها بِرُجُومْ
تَسْكُبُ الأَحْراقْ
كنتُ إذْ ذاكَ على ثَوْبِ السُّكُون
أَنْثُرُ الأَحْزانْ
والهَوَى يَسْكُبُ أَصْداءَ المَنُونْ
في فُؤادٍ فَانْ
سَاكِتاً مِثْلَ جَميعِ الكَائِناتْ
رَاكِدَ الأَلْحانْ
هائِمٌ قَلْبي بأَعْماقِ الحَيَاةْ
تَائِهٌ حَيْرانْ
إنَّ للحُبِّ على النَّاسِ يَدا
تَقْصِفُ الأَعْمارْ
وَلَهُ فَجْرٌ على طُولِ المدى
سَاطِعُ الأَنْوارْ
ثَوْرَةُ الشَّرِّ وأَحْلامُ السَّلامْ
وجَمالُ النُّورْ
وابتسامُ الفَجْرِ في حُزْنِ الظَّلامْ
في العُيونِ الحُورْ
انتهى
  رد مع اقتباس