::: منتديات دلع - القلب الحكيم :::

::: منتديات دلع - القلب الحكيم ::: (http://www.d-la3.com/vb/index.php)
-   ⋟★⋞۩العصر الحديث۩ ⋟★⋞ (http://www.d-la3.com/vb/forumdisplay.php?f=188)
-   -   أبو القاسم الشابي (http://www.d-la3.com/vb/showthread.php?t=125670)

القلب الحكيم 09-10-18 02:00 PM

أبو القاسم الشابي
 
أبو القاسم الشابي
ولد أبو القاسم الشابي في يوم الأربعاء في الرابع والعشرين من شباط عام 1909م الموافق الثالث من شهر صفر سنة 1327هـ وذلك في بلدة توزر في تونس .

يقولونَ صَوْتُ المُسْتَذِلِّين خافِتٌ
وسَمْعُ طُغاةِ الأَرضِ أَطْرَشُ أَصْخَمُ
وفي صيحَةِ الشَّعْبِ المُسَخَّر زَعْزَعٌ
تَخُرُّ لها شُمُّ العُرُوسِ وتُهْدَمُ
ولَعْلَعَةُ الحقّ الغَضوبِ لها صدًى
ودَمْدَمَةُ الحربِ الضَّروسِ لها فمُ
إِذا التفَّ حولَ الحقِّ قومٌ فإنَّهُ
يُصَرِّمُ أَحْداثَ الزَّمانِ ويُبْرِمُ
لكَ الوَيْلُ يا صَرْحَ المَظالمِ مِنْ غَدٍ
إِذا نَهَضَ المُسْتَضْعفُونَ وصَمَّموا
إِذا حطَّمَ المُسْتَعبدونَ قيودَهُمْ
وصبُّوا حَميمَ السُّخْطِ أَيَّانَ تَعْلَمُ
أَغرَّكَ أنَّ الشَّعْبَ مُغْضٍ على قَذًى
وأنَّ الفضاءَ الرَّحْبَ وَسْنانُ مُظْلِمُ
أَلا إنَّ أَحلامَ البلادِ دَفينةٌ
تُجَمْجِمُ في أعماقِها مَا تُجَمْجِمُ
ولكنْ سيأتي بعدَ لأيٍ نُشُورُها
ويَنْبَثِقُ اليومُ الَّذي يَتَرَنَّمُ
هوَ الحقُّ يَغْفى ثمَّ يَنْهَضُ ساخِطاً
فيَهْدُمُ مَا شادَ الظَّلامُ ويَحْطِمُ
غَدَا الرَّوْعُ إنْ هبَّ الضَّعيفُ ببأْسِهِ
سَتَعْلَمُ مَنْ مِنَّا سَيَجرُفُهُ الدَّمُ
إلى حيثُ تَجْني كفُّهُ بَذْرَ أَمْسِهِ
ومُزْدَرعُ الأَوجاعَ لا بدَّ يَنْدَمُ
سَتَجْرَعُ أَوصابَ الحَيَاةِ وتَنْتَشي
فتُصْغي إلى الحقِّ الَّذي يَتَكَلَّمُ
إِذا مَا سَقاكَ الدَّهرُ من كأْسِهِ التي
قُرَارَتُها صابٌ مَريرٌ وعَلْقَمُ
إِذا صُعِقَ الجبَّارُ تَحْتَ قُيُودِهِ
يُصيخُ لأوجاعِ الحَيَاةِ ويَفْهَمُ

أَيْنَ يا شعبُ قلبُكَ الخافقُ الحسَّاسُ
أَيْنَ الطُّموحُ والأَحْلامُ
أَيْنَ يا شعبُ رُوحُك الشَّاعرُ الفنَّانُ
أَيْنَ الخيالُ والإِلهامُ
أَيْنَ يا شعبُ فنُّكَ السَّاحرُ الخلاّقُ
أَيْنَ الرُّسومُ والأَنغامُ
أَيْنَ يمَّ الحَيَاةِ يَدْوي حوالَيْكَ
فأَينَ المُغامِرُ المِقْدامُ
أَيْنَ عَزْمُ الحَيَاةِ لا شيءَ إلاَّ
الموتُ والصَّمْتُ والأَسى والظَّلامُ
عُمُرٌ مَيِّتٌ وقلبٌ خَواءٌ
ودمٌ لا تُثيرُهُ الآلامُ
وحياةٌ تَنامُ في ظُلْمة الوادي
وتنمو في فوقها الأَوهامُ
أَيُّ عيشٍ هذا وأَيُّ حياةٍ
رُبَّ عيشٍ أَخَفُّ منه الحِمَامُ
قَدْ مشتْ حولكَ الفُصولُ وغَنَّتْكَ
فلمْ تبتهج ولمْ تترنَّمْ
ودَوَتْ فوقكَ العَواصفُ والأَنواءُ
حتَّى أَوْشَكَتْ أن تتحطَّمْ
وأَطافَتْ بكَ الوُحوشُ وناشتْكَ
فلم تَضْطَرِبْ ولم تتألَّمْ
يا إِلهي أما تحسُّ أَما تشدو
أَما تشتكي أَما تتكلَّمْ
ملَّ نهرُ الزَّمانِ أَيَّامكَ الموتى
وأَنقاضَ عُمرِكَ المتهدِّمْ
أَنْتَ لا ميِّتٌ فيبلَى ولا حيٌّ
فيمشي بل كائنٌ لَيْسَ يُفْهَمْ
أَبداً يرمقُ الفراغَ بطرفٍ
جامدٍ لا يرى العوالِمَ مُظْلِمْ
أَيُّ سِحْرٍ دهاكَ هل أَنْتَ مسحورٌ
شقيٌّ أَو ماردٌ يَتَهكَّمْ
آه بل أَنْتَ في الشُّعوبِ عجوزٌ
فيلسوفٌ محطَّمٌ في إهابِهْ
ماتَ شوقُ الشَّبابِ في قلبِهِ الذَّاوي
وعزمُ الحَيَاة في أَعصابِهْ
فمضى يَنْشُدُ السَّلامَ بعيداً
في قبورِ الزَّمانِ خَلْفَ هضابِهْ
وهناكَ اصطفى البقاءَ مع الأَموات
في قبرِ أَمسِهِ غيرَ آبِهْ
وارتضى القبرَ مسكناً تتلاشى
فيه أيَّامُ عُمرِهِ المتشابِهْ
وتناسى الحَيَاةَ والزَّمنَ الدَّاوي
وما كانَ مِنْ قديمِ رِغَابِهْ
فالْزَمِ القبر فهوَ بيتٌ شبيهٌ بكَ
في صَمْتِ قلبِه وخرابِهْ
أَنْتَ لا ميِّتٌ فيبلَى ولا حيٌّ
فيمشي بل كائنٌ لَيْسَ يُفْهَمْ
أَبداً يرمقُ الفراغَ بطرفٍ
جامدٍ لا يرى العوالِمَ مُظْلِمْ
أَيُّ سِحْرٍ دهاكَ هل أَنْتَ مسحورٌ
شقيٌّ أَو ماردٌ يَتَهكَّمْ
آه بل أَنْتَ في الشُّعوبِ عجوزٌ
فيلسوفٌ محطَّمٌ في إهابِهْ
ماتَ شوقُ الشَّبابِ في قلبِهِ الذَّاوي
وعزمُ الحَيَاة في أَعصابِهْ
فمضى يَنْشُدُ السَّلامَ بعيداً
في قبورِ الزَّمانِ خَلْفَ هضابِهْ
وهناكَ اصطفى البقاءَ مع الأَموات
في قبرِ أَمسِهِ غيرَ آبِهْ
وارتضى القبرَ مسكناً تتلاشى
فيه أيَّامُ عُمرِهِ المتشابِهْ
وتناسى الحَيَاةَ والزَّمنَ الدَّاوي
وما كانَ مِنْ قديمِ رِغَابِهْ
فالْزَمِ القبر فهوَ بيتٌ شبيهٌ بكَ
في صَمْتِ قلبِه وخرابِهْ
واعبدِ الأَمسَ وادَّكِرْ صُوَرَ الماضي
فدُنْيا العجوزِ ذِكرى شبابِهْ
وإذا مرَّتِ الحَيَاةُ حوالَيْكَ
جَميلاً كالزَّهْرِ غضًّا صِباها
تتغنَّى الحَيَاةُ بالشَّوقِ والعزمِ
فيُحْيي قلبَ الجمادِ غِنَاها
والرَّبيعُ الجميلُ يرقُصُ فَوْقَ
الوردِ والعُشْبِ منْشِداً تيَّاها
ومشى النَّاسُ خلفَهَا يتَمَلَّوْنَ
جمالَ الوُجُودِ في مرآها
فاحذرِ السِّحْرَ أَيُّها النَّاسكُ القِدِّيسُ
إنَّ الحَيَاةَ يُغوي بَهاها
والرَّبيعُ الفنَّانُ شاعِرُها المفتونُ
يُغْري بحبِّها وهواها
وتَمَلَّ الجمالَ في رِممِ الموتَى
بعيداً عَنْ سِحْرِها وصَداها
وتَغَزَّلْ بسِحْرِ أَيَّامِكَ الأولى
وخَلِّ الحَيَاةَ تخطو خطاها
وإذا هبَّتِ الطُّيورُ مع الفجرِ
تُغنِّي بَيْنَ المروجِ الجميلهْ
وتُحَيِّي الحَيَاةَ والعالَمَ الحيَّ
بصَوْتِ المحبَّةِ المعسولهْ
والفَراشُ الجميلُ رَفْرَفَ في الرَّوْضِ
يناجي زهورَهُ المطلولهْ
وأَفاقَ الوُجُودُ للعملِ المجْدِي
وللسَّعيِ والمعاني الجليلهْ
ومَشَى النَّاسُ في الشِّعابِ وفي الغابِ
وفوقَ المسالكِ المجهولهْ
يَنْشُدُونَ الجمالَ والنُّورَ والأَفراحَ
والمجدَ والحَيَاةَ النبيلهْ
فاغضُضِ الطَّرفَ في الظَّلامِ وحاذِرْ
فتنَةَ النُّورِ فهيَ رُؤْيا مَهُولهْ
وصَباحُ الحَيَاةِ لا يُوقِظُ الموْتَى
ولا يَرْحَمُ الجفونَ الكليلهْ
كلُّ شيءٍ يُعاطِفُ العالَم الحيَّ
ويُذكِي حياته ويُفيدُهْ
والذي لا يُجاوِبُ الكونَ بالإِحساسِ
عِبْءٌ على الوُجُودِ وُجُودُهْ
كلُّ شيءٍ يُسايِرُ الزَّمنَ الماشي
بعزمٍ حتَّى التُّرابُ ودُودُهْ
كلُّ شيءٍ إِلاّكَ حَيٌّ عَطوفٌ
يُؤْنِسُ الكونَ شَوْقُهُ ونَشيدُهْ
فلماذا تعيش في الكونِ يا صاحِ
وما فيكَ من جنًى يستفيدُهْ
لستَ يا شيخُ للحياةِ بأَهْلٍ
أَنْتَ داءٌ يُبيدُها وتُبيدُهْ
أَنْتَ قَفْرٌ جهنَّميٌّ لَعِينٌ
مُظْلِمٌ قاحلٌ مريعٌ جمودُهْ
لا ترفُّ الحَيَاةُ فيهِ فلا طيرَ
يغنِّي ولا سَحَابَ يجودُهْ
أَنْتَ يا كاهِنَ الظَّلامِ حياةٌ
تعبدُ الموتَ أَنْتَ روحٌ شقيُّ
كافرٌ بالحَيَاةِ والنُّورِ لا يُصغي
إلى الكونِ قلبُه الحجريُّ
أَنْتَ قلبٌ لا شوقَ فيه ولا عزمٌ
وهذا داءُ الحَيَاةِ الدّويُّ
أَنْتَ دُنيا يُظلُّها أُفُقُ الماضي
وليلُ الكآبَةِ الأَبديُّ
ماتَ فيها الزَّمانُ والكونُ إلاَّ
أَمسُها الغابرُ القديمُ القَصِيُّ
والشقيُّ الشقيُّ في الأَرضِ قلبٌ
يومُهُ ميِّتٌ ومَاضيهِ حَيُّ
أَنْتَ لا شيءَ في الوُجُودِ فغادِرْهُ
إلى الموتِ فهوَ عنكَ غَنِيُّ

أَظَلَّ الوُجُودَ المساءُ الحزينُ
وفي كفِّهِ معْزَفٌ لا يُبينْ
وفي ثَغرهِ بَسَماتُ الشُّجونِ
وفي طَرفِهِ حَسَراتُ السِّنينْ
وفي صدرِهِ لوعةٌ لا تَقِرُّ
وفي قلبِهِ صَعَقَاتُ المَنونْ
وقبَّلَهُ قُبَلاً صامِتاتٍ كما
يَلْثُمُ الموتُ وَرْدَ الغُصُون
وأَفضى إليه بوحْيِ النُّجُومِ
وسِرِّ الظَّلامِ ولَحْنِ السُّكونْ
وأَوْحى إليه مَزامِيرَهُ
فغنَّتْ بها في الظَّلامِ الحُزُونْ
وفي ثَغرهِ بَسَماتُ الشُّجونِ
وفي طَرفِهِ حَسَراتُ السِّنينْ
وفي صدرِهِ لوعةٌ لا تَقِرُّ
وفي قلبِهِ صَعَقَاتُ المَنونْ
وقبَّلَهُ قُبَلاً صامِتاتٍ كما
يَلْثُمُ الموتُ وَرْدَ الغُصُون
وأَفضى إليه بوحْيِ النُّجُومِ
وسِرِّ الظَّلامِ ولَحْنِ السُّكونْ
وأَوْحى إليه مَزامِيرَهُ
فغنَّتْ بها في الظَّلامِ الحُزُونْ
وعَلَّمَهُ كيفَ تأسى النُّفوسُ
ويَقضي يَؤوساً لديها الحَنينْ
وأَسْمَعَهُ صَرَخاتِ القُلُوبِ
وأَنْهَلَهُ مِنْ سُلافِ الشُّؤونْ
فأَغفى على صدرِهِ المطمَئِنِّ
وفي روحِهِ حُلُمٌ مُسْتَكينْ
قويٌّ غَلُوبٌ كسِحْرِ الجُفُونِ
شجيٌّ لَعوبٌ كزهرٍ حَزينْ
ضَحوكٌ وقد بلَّلتهُ الدُّموعُ
طَرُوبٌ وقد ظَلَّلَتْهُ الشُّجُونْ
تعانِقُهُ سَكَراتُ الهَوَى
وتحضُنُهُ شَهَقَاتُ الأَنينْ
يُشابِهُ روحَ الشَّبابِ الجميلِ
إِذا مَا تأَلَّقَ بَيْنَ الجُّفونْ
أَعادَ لنفسي خَيالاً جميلاً
لَقَدْ حَجَبَتْهُ صُرُوفُ السِّنينْ
فَطَافَتْ بها هَجَسَاتُ الأَسى
وعادَتْ لها خُطُواتُ الجُنُونْ
أَظَلَّ الفضاءَ جناحُ الغروبِ
فأَلقى عليهِ جمالاً كَئيبْ
وأَلبَسَهُ حُلَّةً من جَلالٍ شجيٍّ
قويٍّ جميلٍ غَلُوبْ
فنامَتْ على العُشْبِ تِلْكَ الزُّهُورُ
لمرأَى المساءِ الحزينِ الرَّهيبْ
وآبَتْ طيورُ الفضاءِ الجميلِ
لأوكارِها فرِحاتِ القُلُوبْ
وقدْ أَضمرَتْ بأَغاريدها
خيالَ السَّماءِ الفسيح الرَّحيبْ
وَوَلَّى رُعاةُ السَّوامِ إلى الحيِّ
يُزْجُونها في صُماتِ الغُروبْ
فتَثْغُو حنيناً لحِمْلانِها
وتقطفُ زهرَ المُروجِ الخَصيبْ
وهمْ يُنشِدونَ أَهازيجَهمْ بصوتٍ
بهيجٍ فَرُوحٍ طَرُوبْ
ويَسْتَمْنِحونَ مزاميرهم
فتمنحُهُمْ كُلَّ لحنٍ عجيبْ
تطيرُ بهِ نَسَماتُ الغروبِ
إلى الشَّفقِ المُسْتَطيرِ الخَلُوبْ
وتوحي لهم نَظَرَاتُ الصَّبايا
أَناشيدَ عهدِ الشَّبابِ الرَّطيبْ
وأَقْبَلَ كُلٌّ إلى أهلِهِ
سِوَى أملي المستطارِ الغَريبْ
فقد تاهَ في مَعْسَباتِ الحَيَاة
وسُدَّتْ عليه مناجي الدُّروبْ
وظلَّ شَريداً وحيداً بعيداً
يُغالبُ عُنْفَ الحَيَاةِ العَصيبْ
وقد كانَ مِنْ قبلُ ذا غبطةٍ
يُرفرفُ حولَ فؤادي الخَصيبْ
ولمَّا أَظلَّ المَساءُ السَّماءَ
وأسكَرَ بالحُزْنِ روحَ الوُجُودْ
وقفتُ وساءلتُهُ هل يَؤوبُ لقلبي
رَبيعُ الحَيَاةِ الشَّرودْ
فَتَخْفُقُ فيه أَغاني الورودِ
ويخضرُّ فِرْدَوْسُ نفسي الحَصيدْ
وتختالُ فيهِ عَروسُ الصَّباحِ
وتمرَحُ نَشْوَى بذاكَ النَّشيدْ
ويَرجعُ لي مِنْ عِراصِ الجحيمِ
سلامُ الفؤادِ الجميلُ العهيدْ
فقد كبَّلَتْهُ بَناتُ الظَّلامِ
وأَلقيْنَهُ في ظلامِ اللُّحودْ
فأَصْغى إلى لَهَفي المستمرِّ
وخاطَبَني مِنْ مكانٍ بعيدْ
تَعودُ ادِّكاراتُ ذاكَ الهَوَى
ولكنَّ سِحْرَ الهَوَى لا يَعودْ
فجَاشَتْ بنفس مآسي الحَيَاةِ
وسخطُ القُنُوطِ القويِّ المُريدْ
ولمَّا طَغَتْ عَصَفاتُ القُنُوط
فمادتْ بكلِّ مَكِينٍ عَتيدْ
أَهَبْتُ بقلبي الهلوعِ الجزوعِ
وكانَ مِنْ قبلُ جَلْداً شَديدْ
تجلَّدْ ولا تَسْتَكِنْ للَّيالي
فما فازَ إلاَّ الصَّبورُ الجَليدْ
ولا تَأْسَ مِنْ حادِثاتِ الدُّهُورِ
فخَلْفَ الدَّياجيرِ فَجْرٌ جَديدْ
ولولا غيومُ الشِّتاءِ الغِضابُ
لما نَضَّدَ الرَّوضُ تِلْكَ الوُرودْ
ولولا ظَلامُ الحَيَاةِ العَبُوسُ
لما نَسَجَ الصُّبْحُ تِلْكَ البُرُودْ

كُلُّ قلبٍ حَمَلَ الخَسْفَ ومَا
مَلَّ مِنْ ذُلِّ الحَيَاةِ الأَرْذَلِ
كُلُّ شعبٍ قَدْ طَغَتْ فيهِ الدِّمَا
دونَ أَنْ يَثْأَرَ للحَقِّ الجَلِي
خَلِّهِ للموتِ يَطْويهِ فمَا
حَظُّهُ غيرُ الفَنَاءِ الأَنْكَلِ

ضُعْفُ العزيمَةِ لَحْدٌ في سَكينَتِهِ
تقضي الحَيَاةُ بَنَاهُ اليأسُ والوجلُ
وفي العَزيمَةِ قُوَّاتٌ مُسَخَّرَةٌ
يَخِرُّ دونَ مَدَاها الشَّامِخُ الجَبَلُ
والنَّاسُ شَخْصانِ ذا يَسْعى بهِ قدَمٌ
من القُنُوطِ وذا يَسْعَى بهِ الأَمَلُ
هذا إلى الموتِ والأَجداثُ ساخِرةٌ
وذا إلى المجدِ والدُّنيا لَهُ خَوَلُ
مَا كلُّ فِعْلٍ يُجِلُّ النَّاسُ فاعِلَهُ
مَجْداً فإنَّ الوَرَى بي رأْيِهِمْ خَطَلُ
ففي التَماجُدِ تَمْويهٌ وشَعْوَذَةٌ
وفي الحقيقَةِ مَا لا يُدْرِكُ الدَّجِلُ
مَا المَجْدِ إلاَّ ابْتِساماتٌ يَفيضُ بها
فمُ الزمَّان إِذا مَا انسدَّتِ الحِيَلُ
وليسَ بالمجدِ مَا تَشْقَى الحَيَاةُ بهِ
فَيَحْسُدُ اليَوْمَ أَمْساً ضَمَّهُ الأَزَلُ
فما الحُرُوبُ سِوَى وَحْشيَّةٍ نَهَضَتْ
في أَنْفُسِ النَّاسِ فانْقادَتْ لها الدُّوَلُ
وأَيْقَظَتْ في قُلوبِ النَّاسِ عاصِفَةً
غامَ الوُجودُ لها وارْبَدَّتِ السُّبُلُ
فالدَّهْرُ مُنْتَعِلٌ بالنَّارِ مُلْتَحِفٌ
بالهوْلِ والويلِ والأَيامُ تَشْتَعِلُ
والأَرضُ داميةٌ بالإِثْمِ طامِيَةٌ
ومارِدُ الشَّرِّ في أَرْجائِها ثَمِلُ
والموتُ كالمَارِدِ الجبَّارِ مُنْتَصِبٌ
في الأَرضِ يَخْطُفُ من قَدْ خانَهُ الأَجَلُ
وفي المَهَامِهِ أَشلاءٌ مُمَزَّقَةٌ
تَتْلو على القَفْرِ شِعْراً لَيْسَ يُنْتَحَلُ

إنا لفي زمن الطفولة والبراءة والطهور
نحيا كما تحيا البلابل والجداول والزهور
إذ نحن لم نعرف من الدنيا سوى مرح السرور
وبناء اكواخ الطفولة تحت اعشاش الطيور
مسقوفة بالورد والاعشاب والورق النضير
نبني فتهدمها الرياح فلا نضج ولا نثور
ونعود نضحك للمروج والزنابق والغدير
ونخاطب الاصداء وهي ترف في الوادي المنير
ونظل نركض خلف اسراب الفراش المستطير
نشدو ونرقص كالبلابل للحياة وللحبور
ونشيد في الأفق المخضب من امانينا قصور
لا نسأم اللهو الجميل وليس يدركنا الفتور

إنَّ هذي الحَيَاةَ قيثارَةُ اللهِ
وأَهْلُ الحَيَاةِ مِثْلُ اللًّحُونِ
نَغَمٌ يَسْتَبي المَشاعِرَ كالسِّحْرِ
وصَوْتٌ يُخِلُّ بالتَّلْحينِ
واللَّيالي مَغَاوِرٌ تُلْحِدُ اللَّحْنَ
وتَقْضي على الصَّدى المِسْكِينِ

مَا قَدَّْسَ المثلَ الأَعلى وجمَّلَهُ
في أَعيُنِ النَّاسِ إلاَّ أنَّهُ حُلُمُ
ولو مَشَى فيهُمُ حيًّا لحطَّمَهُ
قومٌ وقالوا بخبثٍ إنَّهُ صَنَمُ
ولا يعبدُ النَّاسُ إلاَّ كلَّ منعدمٍ
مُمنَّعٍ ولمنْ حاباهُمُ العَدَمُ
حتَّى العَباقرةُ الأَفذاذُ حُبُّهُمُ
يلقى الشَّقاءَ وتَلقى مجدَها الرِّمَمُ
النَّاسُ لا يُنْصِفونَ الحيَّ بينهُمُ
حتَّى إِذا مَا توارى عنهُمُ نَدِموا
الويْل للنَّاسِ من أَهْوائهمْ أَبداً
يمشي الزَّمانُ وريحُ الشَّرِّ تحتدمُ
أَرى هيكَلَ الأَيَّامِ يعلُو مُشيَّداً
ولا بدَّ أن يأتي على أُسِّهِ الهَدْمُ
فيُصْبِحُ مَا قَدْ شيَّدَ اللهُ والورى
خراباً كأنَّ الكُلَّ في أَمسهِ وَهْمُ
فقل لي مَا جدْوَى الحَيَاةِ وكربها
وتلكَ التي تَذْوي وتلكَ التي تنمو
وفوْجٍ تغذِّيه الحَيَاةُ لِبَانَهَا
وفوْجٍ يُرى تَحْتَ التُّرابِ لهُ رَدْمُ
وعقلٍ من الأَضواءِ في رأسِ نابغٍ
وعقلٍ من الظَّلماءِ يحملهُ فَدْمُ
وأَفئدةٍ حَسْرى تذُوبُ كآبَةً
وأَفئدةٍ سَكْرَى يرفُّ لها النَّجمُ
لِتعْسِ الوَرَى شاءَ الإِلهُ وجودَهم
فكانَ لهمْ جهلٌ وكانَ لهمْ فهمُ

عذبة أنت كالطفولة كالأح
لام كالحن كالصباح الجديد
كالسَّماء الضَّحُوكِ كاللَّيلَةِ القمراءِ
كالوردِ كابتسامِ الوليدِ
يا لها مِنْ وَداعةٍ وجمالٍ
وشَبابٍ مُنعَّمٍ أُمْلُودِ
يا لها من طهارةٍ تبعثُ التَّقدي
سَ في مهجَةِ الشَّقيِّ العنيدِ
يا لها رقَّةً تَكادُ يَرفُّ الوَرْ
دُ منها في الصَّخْرَةِ الجُلْمودِ
أَيُّ شيءٍ تُراكِ هلْ أَنْتِ فينيسُ
تَهادتْ بَيْنَ الوَرَى مِنْ جديدِ
لتُعيدَ الشَّبابَ والفرحَ المعس
ولَ للعالمِ التَّعيسِ العميدِ
أَم ملاكُ الفردوس جاءَ إلى الأَر
ضِ ليُحيي روحَ السَّلامِ العهيدِ
أَنتِ مَا أَنتِ أَنْتِ رسمٌ جميلٌ
عبقريٌّ من فنِّ هذا الوُجُودِ
فيكِ مَا فيهِ من غموضٍ وعُمْقٍ
وجَمَالٍ مقَدَّسٍ معبودِ
أنتِ مَا أنتِ أَنتِ فجرٌ من السّحرِ
تجلَّى لقلبيَ المعمودِ
فأراه الحَيَاةَ في مُونِقِ الحُسْنِ
وجلّى له خفايا الخلودِ
أَنتِ روحُ الرَّبيعِ تختالُ ف
ي الدُّنيا فتهتزُّ رائعاتُ الورودِ
وتهبُّ الحَيَاة سَكرى من العِط
رِ ويدْوي الوُجُودُ بالتَّغريدِ
كلَّما أَبْصَرَتْكِ عينايَ تمشينَ
بخطوٍ موقَّعٍ كالنَّشيدِ
خَفَقَ القلبَ للحياة ورفَّ الزَّه
رُ في حقلِ عمريَ المجرودِ
وانتشتْ روحيَ الكئيبَةُ بالحبِّ
وغنَّتْ كالبلبلِ الغِرِّيدِ
أَنتِ تُحيينَ في فؤاديَ مَا قدْ
ماتَ في أَمسيَ السَّعيدِ الفقيدِ
وَتُشِيدينَ في خرائبِ روحي
مَا تلاشَى في عهديَ المجدودِ
مِنْ طموحٍ إلى الجمالِ إلى الفنِّ
إلى ذلك الفضاءِ البعيدِ
وتَبُثِّينَ رقَّةَ الشوقِ والأَحلامِ
والشَّدوِ والهوى في نشيدي
بعد أنْ عانقتْ كآبَةُ أَيَّامي
فؤادي وأَلجمتْ تغريدي
أَنتِ أُنشودَةُ الأَناشيدِ غنَّاكِ
إِلهُ الغناءِ ربُّ القصيدِ
فيكِ شبَّ الشَّبابُ وشَّحهُ السّحْرُ
وشدوُ الهَوَى وعِطْرُ الورودِ
وتراءى الجمالُ يَرْقُصَ رقصاً
قُدُسيًّا على أَغاني الوُجُودِ
وتهادتْ في أُفْق روحِكِ أَوْزانُ
الأَغاني ورِقَّةُ التَّغريدِ
فتَمَايلتِ في الوُجُودِ كلحنٍ
عبقريِّ الخيالِ حلوِ النَّشيدِ
خطواتٌ سكرانةٌ بالأَناشيد
وصوتٌ كَرَجْعِ نايٍ بعيدِ
وقَوامٌ يَكادُ يَنْطُقُ بالأَلحانِ
في كلِّ وقفةٍ وقعودِ
كلُّ شيءٍ موقَّعٌ فيكِ حتَّى
لَفْحَةُ الجيدِ واهتزازُ النّهودِ
أَنتِ أَنتِ الحَيَاةُ في قدْسها السَّا
مي وفي سِحْرها الشَّجيِّ الفريدِ
أَنتِ أَنتِ الحَيَاةُ في رِقَّةِ ال
فجر في رونق الرَّبيعِ الوليدِ
أَنتِ أَنتِ الحَيَاةُ كلَّ أَوانٍ
في رُواءٍ من الشَّبابِ جديدِ
أَنتِ أَنتِ الحَيَاةُ فيكِ وفي
عَيْنَيْكِ آياتُ سحرها الممدودِ
أَنتِ دنيا من الأَناشيدِ والأَحلامِ
والسِّحْرِ والخيال المديدِ
أَنتِ فوقَ الخيالِ والشِّعرِ والفنِّ
وفوقَ النُّهى وفوقَ الحُدودِ
أَنتِ قُدْسي ومعبدي وصباحي
وربيعي ونَشْوتي وخُلودي
يا ابنةَ النُّورِ إنَّني أنا وحدي
من رأى فيكِ رَوْعَةَ المَعْبودِ
فدعيني أَعيشُ في ظِلِّكِ العذْبِ
وفي قُرْبِ حُسنكِ المَشْهودِ
عيشةً للجمالِ والفنِّ والإِلهامِ
والطُّهْرِ والسَّنى والسُّجودِ
عيشَةَ النَّاسكِ البتُولِ يُناجي الرَّ
بَّ في نشوَةِ الذُّهول الشَّدِيدِ
وامنحيني السَّلامَ والفرحَ الرُّو
حيَّ يا ضوءَ فجريَ المنشودِ
وارحميني فقد تهدَّمتُ في كو
نٍ من اليأْسِ والظَّلامِ مَشيدِ
أنقذيني من الأَسى فلقدْ أَمْسَ
يْتُ لا أستطيعُ حملَ وجودي
في شِعَابِ الزَّمان والموت أَمشي
تحتَ عبءِ الحَيَاة جَمَّ القيودِ
وأُماشي الوَرَى ونفسيَ كالقب
رِ وقلبي كالعالم المهدُودِ
ظُلْمَةٌ مَا لها ختامٌ وهولٌ
شائعٌ في سكونها الممدودِ
وإذا مَا استخفَّني عَبَثُ النَّاسِ
تبسَّمتُ في أَسًى وجُمُودِ
بَسْمَةٌ مرَّةٌ كأنَّني أَستلُّ
من الشَّوكِ ذابلاتِ الورودِ
وانْفخي في مَشاعِري مَرَحَ الدُّنيا
وشُدِّي مِنْ عزميَ المجهودِ
وابعثي في دمي الحَرارَةَ عَلِّي
أَتغنَّى مع المنى مِنْ جَديدِ
وأَبثُّ الوُجُودَ أَنغامَ قلبٍ
بُلْبُليٍّ مُكَبَّلٍ بالحديدِ
فالصَّباحُ الجميلُ يُنْعِشُ بالدِّفءِ
حياةَ المُحَطَّمِ المكدودِ
أنْقذيني فقد سئمتُ ظلامي
أنقذيني فقدْ مَلِلْتُ ركودي
آه يا زهرتي الجميلةَ لو تدرينَ
مَا جدَّ في فؤادي الوحيدِ
في فؤادي الغريبِ تُخْلَقُ أَكوانٌ
من السّحرِ ذاتُ حُسْنٍ فريدِ
وشموسٌ وضَّاءةٌ ونُجومٌ
تَنْثُرُ النُّورَ في فَضاءٍ مديدِ
وربيعٌ كأنَّهُ حُلُمُ الشَّاعرِ
في سَكرة الشَّباب السَّعيدِ
ورياضٌ لا تعرف الحَلَك الدَّاجي
ولا ثورَةَ الخريفِ العتيدِ
وطيورٌ سِحْرِيَّةٌ تتناغَى
بأَناشيدَ حلوةِ التَّغريدِ
وقصورٌ كأنَّها الشَّفَقُ المخضُوبُ
أَو طلعَةُ الصَّباحِ الوليدِ
وغيومٌ رقيقةٌ تتهادَى
كأَباديدَ من نُثارِ الورودِ
وحياةٌ شِعْرِيَّةٌ هي عندي
صُورةٌ من حَياةِ أَهْل الخلودِ
كلُّ هذا يَشيدُهُ سِحْرُ عينيكِ
وإِلهامُ حُسْنِكِ المعبودِ
وحرامٌ عليكِ أَنْ تهدمي مَا
شادهُ الحُسْنُ في الفؤادِ العميدِ
وحرامٌ عليكِ أَنْ تسْحَقي آم
الَ نفسٍ تصبو لعيشٍ رغيدِ
منكِ ترجو سَعادَةً لم تجدْهَا
في حياةِ الوَرَى وسِحْرِ الوُجُودِ
فالإِلهُ العظيمُ لا يَرْجُمُ العَبْدَ
إِذا كانَ في جَلالِ السُّجودِ

أَنَا كَئِيبْ
أَنَا غَريبْ
كَآبتي خالَفَتْ نَظَائِرَهَا
غَرِيبَةٌ في عَوَالِمِ الحَزَن
كَآبتي فِكْرَةٌ مُغَرِّدَةٌ
مَجْهُولةٌ مِنْ مَسَامِعِ الزَّمَنِ
لكنَّني قَدْ سَمِعْتُ رَنَّتَها
بمُهْجَتي في شَبابِيَ الثَّمِلِ
سَمِعْتُها فانْصَرَفْتُ مُكْتَئِبَا
أَشْدو بحُزْنِي كطائِرِ الجَبَلِ
سَمِعْتُها أَنَّةً يرجِّعُها
صَوْتُ اللَّيالي ومُهْجَةُ الأزل
سَمِعْتُها صَرْخَةً مُضَعْضَعَةً
كَجَدْوَلٍ في مَضايِقِ السُّبُلِ
سَمِعْتُها رَنَّةً يعَانِقُها
شوقٌ إلى عالمٍ يُضَعْضِعُها
ضَعيفةً مثلَ أنَّةٍ صَعَدَتْ
مِنْ مُهْجَةٍ هدَّها تَوَجُّعُها
كآبَةُ النَّاسِ شُعلةٌ وَمَتى
مرَّتْ ليالٍ خَبَتْ مع الأَمَدِ
أَمَّا اكتِئابي فَلَوْعَةٌ سَكَنَتْ
رُوحي وتَبْقَى بها إلى الأَبدِ
أَنا كئيبٌ أَنا غَريبٌ
وليسَ في عالمِ الكَآبَةِ مَنْ
يحمِلُ مِعْشارَ بَعْضِ مَا أَجِدُ
كآبتي مرَّةٌ وإنْ صَرَخَتْ
روحي فلا يسمعنَّها الجَسَدُ
كآبَتي ذاتُ قَسْوَةٍ صَهَرَتْ
مَشَاعِري في جَهَنَّمَ الأَلَمِ
لمْ يسمَعِ الدَّهْرُ مِثْلَ قَسْوَتِها
في يَقْظَةٍ قطُّ لا ولا حُلُمِ
كآبتي شُعْلةٌ مؤجَّجَةٌ
تحتَ رَمَادِ الكَوْنِ تستعرُ
سَيَعْلَمُ الكَوْنُ مَا حَقِيقَتُهَا
ويَطْلَعُ الفَجْرُ يومَ تَنْفَجِرَ
كآبةُ النَّاسِ شُعْلَةٌ ومتى
مرَّت ليالٍ خَبَتْ مِنَ الأَمَدِ
أَمَّا اكتئابي فَلَوْعَةٌ سَكَنَتْ
رُوحي وَتَبْقَى بِها إلى الأَبَدِ

يا رفيقي وأَينَ أَنْتَ فَقَدْ
أَعْمَتْ جُفوني عواصِفُ الأَيَّامِ
ورمتْني بمَهْمَهٍ قاتِمٍ قفرٍ
تُغَشِّيهِ داجِياتُ الغَمامِ
خُذْ بكفِّي وغنِّني يا رفيقي
فسبيلُ الحَيَاةِ وَعْرٌ أَمامي
كلَّما سرتُ زلَّ بي فيهِ مَهْوَى
تَتَضاعى به وُحُوشُ الحِمَامِ
شَعَّبَتْهُ الدُّهُورُ وانطمسَ النُّورُ
وقامتْ بنا بَنَاتُ الظَّلامِ
راقِصاتٍ يخلُبْنَ في حَلَكِ اللَّيلِ
ويلعبْنَ بالقُلوبِ الدَّوامي
غنِّني فالغِناءُ يَدْرَأُ عنَّا السَّاحرَ
الجنَّ ساكنَ الآجامِ
قَدْ تَفَكَّرْتُ في الوُجُودِ فأَعياني
وأَدبرتُ آيساً لِظَلامي
أَنشُدُ الرَّاحَةَ البعيدَةَ لكنْ
خابَ ظنِّي وأَخطأَتْ أَحلامي
فمَعِي في جوانحي أَبدَ الدَّهرِ
فؤادٌ إلى الحقيقةِ ظامي
مَا تراخَى الزَّمانُ إلاَّ وأَلقى
في طَواياهُ قبضَةً مِنْ ضُرامِ
تَتَلَّظَى يدُ الحَيَاةِ وَزَادَتْ
مُعضلاتُ الدُّهُورِ والأَعوامِ
أَظمأَتْ مُهجَتي الحَيَاةُ فهل
يوماً تُبلُّ الحَيَاةُ بعضَ أَوامي

أَيُّها الحُبُّ أنتَ سِرُّ بَلائِي
وهُمُومي وَرَوْعَتي وعَنَائي
ونُحُولي وأَدْمُعي وعَذَابي
وسُقَامي وَلَوْعَتي وشَقَائي
أَيُّها الحُبُّ أَنتَ سِرُّ وُجُودي
وحَيَاتي وعِزَّتي وإبَائي
وشُعاعِي ما بينَ دَيْجُورِ دَهْري
وأَليفي وقُرَّتي وَرَجَائي
يا سُلافَ الفُؤادِ يا سُمَّ نَفْسي
في حَيَاتي يا شِدَّتي يا رَخَائي
أَلَهيبٌ يثورُ في روضَةِ النَّفْسِ
فَيَطْغى أَمْ أَنتَ نُورُ السَّماءِ
أَيُّها الحُبُّ قَدْ جَرَعْتُ بِكَ الحُزْ
نَ كُؤُوساً وما اقْتَنَصْتُ ابْتِغَائي
فبِحَقِّ الجَمَال يا أَيُّها الحُ
بُّ حَنَانَيْكَ بي وَهَوِّن بَلائي
لَيْتَ شِعْرِي يا أَيُّها الحُبُّ قُلْ لي
مِنْ ظَلامٍ خُلِقَت أَمْ من ضِياءِ

في سُكُونِ اللَّيلِ لمَّا
عانَقَ الكَوْنَ الخُشُوعْ
واخْتَفَى صَوْتُ الأَماني
خَلْفَ آفاقِ الهُجُوعْ
رَتَّلَ الرَّعْدُ نَشيداً
رَدَّدَتْهُ الكائِناتْ
مِثْلَ صَوْتِ الحَقِّ إنْ صا
حَ بأَعْماقِ الحَيَاةْ
يَتَهَادَى بضَجيجٍ
في خَلايا الأَوْدِيَةْ
مَثْلَ جَبَّارِ بني الجِ
نِّ بأَقْصَى الهاوِيَةْ
فسأَلْتُ اللَّيْلَ واللَّيْ
لُ كَئيبٌ ورَهيبْ
شَاخِصاً باللَّيْلِ واللَّيْ
لُ جَميلٌ وغَريبْ
أَتُرى أُنشودَةُ الرَّعْ
دِ أَنينٌ وحَنينْ
رَنَّمَتْها بخُشُوعٍ مُهْجَ
ةُ الكَوْنِ الحَزينْ
أَمْ هيَ القُوَّةُ تَسْعَى
باعْتِسافٍ واصْطِخابْ
يَتَرَاءى في ثَنَايا
صَوْتِها رُوحُ العَذَابْ
غَيْرَ أَنَّ اللَّيْلَ قَدْ
ظَلَّ ركُوداً جَامِداً
صَامِتاً مِثْلَ غَديرِ القَفْ
رِ مِنْ دونِ صَدَى

القلب الحكيم 09-10-18 02:00 PM

رد: أبو القاسم الشابي
 
أَيُّها الليلُ يا أبا البؤسِ والهَوْ
لِ يا هيكلَ الحَياةِ الرهيبِ
فيكَ تَجْثو عرائسُ الأمَلِ العذْ
بِ تُصَلِّي بِصَوتهِ المحبوبِ
فَيُثيرُ النَّشيدُ ذكرى حياةٍ
حَجَبَتْها غُيومُ دَهْرٍ كئيبِ
وتَرُفُّ الشُّجونُ من حول قلبي
بسُكونٍ وَهَيْبَةٍ وقُطوبُ
أَنْتَ يا ليلُ أَنْتَ ذرّةٌ صَعَدَتْ لل
كون من مَوْطِئ الجحيمِ الغَضوبِ
أَيُّها الليلُ أَنْتَ نَغْمٌ شَجيٌّ
في شفاهِ الدُّهورِ بَيْنَ النَّحيبِ
إنَّ أُنشودة السُّكونِ التي ترتجّ
في صَدْرِكَ الرَّكودِ الرَّحيبِ
تُسْمِعُ النَّفْسَ في هدوء الأماني
رَنّةَ الحَقِّ والجمال الخَلوبِ
فَتَصوغُ القلوبُ منها أغاريداً
تَهُزُّ الحياةَ هزَّ الخُطوبِ
تتلوّى الحياةُ من ألَم البؤْ
س فتبكي بِلَوْعَةٍ ونَحيبِ
وعلى مَسْمَعيكَ تَنْهلُّ نوحاً
وعويلاً مُرًّا شجونُ القُلوبِ
فأرى بُرْقُعاً شفيفاً من الأو
جاعِ يُلقي عليكَ شجوَ الكَئيبِ
وأرى في السُّكونِ أجنحة الجبَّ
ار مُخْضَلّةً بِدَمعٍ حبيبِ
فَلَكَ الله من فؤادٍ رَحيمٍ
ولكَ الله من فؤادٍ كئيبِ
يَهْجَعُ الكَونُ في طمأنينةِ العُصْ
فورِ طِفْلاً بِصَدرِكَ الغِرِّيبِ
وبأحْضانكَ الرَّحيمةِ يستيقظُ في
نضرة الضَّحوكِ الطَّروبِ
شادياً كالطُّيوبِ بالأملِ العَذْ
بِ جميلاً كَبَهْجَةِ الشُّؤْبوبِ
يا ظلامَ الحياةِ يا رَوْعة الحُزْ
نِ ويا مِعْزَفَ التَّعيسِ الغَريبِ
وبقيثارةِ السَّكينةِ في ك
فَّيْكَ تَنْهَلُّ رَنَّةُ المَكْروبِ
فيكَ تنمو زَنابقُ الحُلُمِ العذْ
بِ وتَذوي لَدى لَهيبِ الخُطوبِ
خَلْفَ أعماقكَ الكئيبةِ تَنْسا
بُ ظِلالُ الدُّهورِ ذاتَ قُطوبِ
وبِفَوْديكَ في ضَفائِرِكَ
السُّودِ تَدُبُّ الأيَّامُ أيَّ دَبيبِ
صاحِ إنَّ الحياةَ أنشودةُ الحُزْ
نِ فَرَتِّلْ على الحياةِ نَحيبي
إنّ كأسَ الحياةِ مُتْرَعةٌ بالدَّ
مْعِ فاسكُبْ على الصَّباحِ حَبيبي
إنّ وادي الظَّلامِ يَطْفَحُ بالهَوْ
لِ فما أبْعَدَ ابتسامَ القُلوبِ
لا يَغُرَّنَّكَ ابتسامُ بَني الأرْ
ضِ فَخَلْفَ الشُّعاعِ لَذْعُ اللَّهيبِ
أَنْتَ تدري أنَّ الحياةَ قُطو
بٌ وخُطوبٌ فما حياةُ القُطوبِ
إنَّ في غيبةِ الدُّهورِ تِباعاً
لِخَطيبٍ يَمُرُّ إثرَ خَطيبِ
سَدَّدَتْ في سكينة الكون للأعما
قِ نفسي لَحْظاً بعيدَ الرُّسوبِ
نَظْرةٌ مَزَّقَتْ شِعافَ اللَّيالي
فَرأتْ مُهْجَةَ الظَّلامِ الهَيوبِ
ورأتْ في صميمَها لَوْعَةَ الحُز
نِ وأصْغَتْ إلى صُراخِ القُلوبِ
لا تُحاوِلْ أنْ تنكرَ الشَّجْوَ إنّي
قَدْ خَبِرتُ الحياةَ خُبْرَ لَبيبِ
فتبرّمتُ بالسَّكينةِ والضَّجَّةِ
بل قَدْ كَرِهْتُ فيها نصيبي
كُنْ كَما شاءتِ السَّماءُ كَئيباً
أيُّ شيءٍ يَسُرُّ نفسَ الأريبِ
أنُفوسُ تموتُ شاخِصةً بالهو
لِ في ظُلمةِ القُنوط العَصيبِ
أمْ قُلوبٌ مُحِطَّاتٌ على سا
حلِ لُجِّ الأسى بِمَوجِ الخُطوبِ
إنَّما النّاسُ في الحياةِ طيورُ
قَدْ رَماها القَضا بِوادٍ رَهيبِ
يَعْصُفُ الهولُ في جوانبه السو
دِ فَيَقْضي على صَدى العَنْدَليبِ
قَدْ سألتُ الحياةَ عن نغمةِ الفَجْ
رِ وعن وَجْمة المساء القَطوبِ
فَسمِعْتُ الحياة في هيكل الأحزا
نِ تشدو بِلَحْنِها المحبوبِ
ما سُكوتُ السَّماءِ إلاَّ وُجومٌ
ما نشيدُ الصَّباحِ غيرُ نحيبِ
ليسَ في الدَّهرِ طائرٌ يتغنّى
في ضِفافِ الحياةِ غَيرَ كَئيبِ
خَضَّبَ الاكتئابُ أجنحَة الأيّا
مِ بالدَّمْعِ والدَّم المَسْكوبِ
وعَجيبٌ أن يفرحَ النْاسُ في كَهْ
فِ اللَّيالي بِحُزْنِها المَشْبوبِ
كنتُ أرنو إلى الحياةِ بِلَحْظٍ
باسِمٍ والرَّجاءُ دون لُغوبِ
ذاكَ عَهْدٌ حَسِبْتُهُ بَسْمَةَ ال
فَجْرِ ولكنّهُ شُعاعُ الغُروبِ
ذاكَ عَهْدٌ كأنَّهُ رَنَّةُ الأفرا
حِ تَنْسابُ من فَمِ العَنْدَليبِ
خُفِّفَتْ رَيْثَما أصَخْتُ لها بالقَلْ
بِ حيناً وبُدِّلَتْ بِنَحيبِ
إنَّ خَمْرَ الحياةِ وَرْدِيَّةُ اللَّو
نِ ولكنَّها سِمامُ القُلوبِ
جَرَفتْ من قَرارةِ القَلْبِ أحلا
مي إلى اللَّحْدِ جائِراتُ الخُطوبِ
فَتلاشَتْ على تُخومِ الليالي
وتَهاوتْ إلى الجَحيمِ الغَضوبِ
وثَوى في دُجُنَّةِ النَّفْس وَمْضٌ
لم يَزَل بَيْنَ جيئَةٍ وذُهوبِ
ذُكْرياتٌ تَميسُ في ظُلْمَةِ النَّفْ
سِ ضِئالاً كَرائعاتِ المَشيبِ
يا لِقَلْبٍ تَجَرّعَ اللَّوعةَ المُرَّ
ةَ من جدولِ الزَّمانِ الرَّهيبِ
ومَضَتْ في صَميمِهِ شُعْلَةُ الحُزْ
نِ فَعَشَّتْهُ من شُعاعِ اللَّهيبِ

وَأَوَدُّ أَنْ أَحيا بفِكْرَةِ شاعرٍ
فأَرى الوُجُودَ يضيقُ عَنْ أَحلامي
إلاَّ إِذا قَطَّعْتُ أَسبابي مع الدُّ
نيا وعِشْتُ لوَحْدتي وظَلامي
في الغابِ في الجبلِ البعيدِ عن الورى
حيثُ الطَّبيعَةُ والجمالُ السَّامي
وأَعيشُ عِيشَةَ زاهدٍ متَنَسِّكٍ
مَا إنْ تُدَنِّسْهُ الحَيَاةُ بِذَامِ
هجرَ الجماعَةَ للجبالِ تَوَرُّعاً
عنها وعَنْ بَطْشِ الحَيَاةِ الدَّامي
تمشي حواليه الحَيَاةُ كأنَّها
الحلمُ الجميلُ خفيفَةَ الأَقدامِ
وَتَخرُّ أَمواجُ الزَّمانِ بهَيْبةٍ
قُدْسِيَّةٍ في يَمِّها المُتَرامي
فأَعيشُ في غابي حَياةً كُلُّها
للفنِّ للأحلامِ للإلهامِ
لكِنَّني لا أَستطيعُ فإنَّ لي
أُمًّا يَصُدُّ حَنَانُها أَوهامي
وصِغارُ إخوانٍ يَرَوْنَ سَلامَهُمْ
في الكَائِناتِ مُعَلَّقاً بسَلامي
فَقَدوا الأَبَ الحاني فكنتُ لضُعْفِ
هِمْ كهفاً يَصُدُّ غَوائلَ الأَيَّامِ
ويَقِيهمُ وَهجَ الحَيَاةِ ولَفْحَها
ويذودُ عنهم شَرَّةَ الآلامِ
فأَنا المُكَبَّلُ في سَلاسلَ حيَّةٍ
ضحَّيتُ مِنْ رَأَفي بها أَحلامي
وأَنا الَّذي سَكَنَ المدينَةَ مُكْرَهاً
ومشى إلى الآتي بقلبٍ دامِ
يُصغي إلى الدُّنيا السَّخيفَةِ راغماً
ويعيشُ مِثْلَ النَّاسِ بالأَوهامِ
وأَنا الَّذي يحيا بأَرضٍ قَفْرَةٍ
مَدْحُوَّةٍ للشَّكِّ والآلامِ
هَجَمَتْ بيَ الدُّنيا على أَهوالها
وخِضمِّها الرَّحْبِ العميقِ الطَّامي
من غيرِ إنذارٍ فأَحْمِلَ عُدَّتي
وأَخوضَهُ كالسَّابحِ العَوَّامِ
فتحطَّمتْ نفسي على شُطْآنِهِ
وتأَجَّجتْ في جَوِّهِ آلامي
الويلُ في الدُّنيا التي في شَرْعِها
فأْسُ الطَّعامِ كريشَةِ الرّسَّامِ

إنَّ الحَيَاةَ صِراعٌ
فيها الضَّعيفُ يُداسْ
مَا فازَ في ماضِغِيها
إلاَّ شَديدُ المِراسْ
للخِبِّ فيها شجونٌ
فكُنْ فتى الإحتراسْ
الكونُ كونُ شقاءٍ
الكونُ كونُ التباسْ
الكونُ كونُ اختلاقٍ
وضجَّةٌ واختلاسْ
سِيَّانَ عِنديَ فيهِ
السُّرورُ والإبتئاسْ
بَيْنَ النَّوائبِ بَوْنٌ
للنَّاسِ فيه مزايا
البعضُ لم يدرِ إلاَّ
البِلى يُنَادي البلايا
والبعضُ مَا ذاقَ منها
سِوى حَقيرِ الرَّزايا
إنَّ الحَيَاةَ سُباتٌ
سينقضي بالمنايا
وما الرُّؤى فيهِ إلاَّ
آمالنَا والخَطايا
فإِنْ تَيَقَّظَ كانت
بَيْنَ الجفون بقايا
إنَّ السَّكينَةَ رُوحٌ في
اللَّيلِ ليستْ تٌضامْ
والرُّوحُ شُعلَةُ نُورٍ مِنْ
فوقِ كلِّ نِظامْ
لا تنطفي برياحِ الإِ
رهاقِ أَو بالحُسامْ
بَلْ قَدْ يَعُجُّ لَظَاهَا
سيلاً ويطغى الضِّرامْ
كلُّ البلايا جميعاً
تَفنى ويَحيا السَّلامْ
والذُّلُّ سُبَّةُ عارٍ
لا يرتضيهِ الكرامْ
الفجرُ يسطعُ بعد الدُّ
جى ويأتي الضِّياءْ
ويرقُدُ اللَّيلُ قَسْراً
على مِهَادِ العَفَاءْ
وللشُّعوبِ حياةٌ
حيناً وحيناً فناءْ
واليأْسُ موتٌ ولكنْ
موتٌ يُثيرُ الشَّقَاءْ
والجِدُّ للشَّعْبِ روحٌ
تُوحي إليهِ الهَناءْ
فإنْ تولَّتْ تصدَّتْ
حَيَاتُهُ للبَلاءْ

يا أَيُّها الشَّادي المغرِّدُ ههُنا
ثَمِلاً بِغِبْطةِ قَلْبهِ المَسْرورِ
مُتَنقِّلاُ بَيْنَ الخَمائلِ تالِياً
وَحْيَ الرَّبيعِ السَّاحرِ المَسْحورِ
غَرِّدْ ففي تِلْكَ السُّهولِ زَنابِقُ
تَرْنو إليكَ بِناظرٍ مَنْظورِ
غَرِّدْ فَفي قَلبي إليكَ مَوَدَّةٌ
لَكِنْ مَوَدَّةُ طائرٍ مَأسورِ
هَجَرَتْهُ أسْرابُ الحمائمِ وانْبَرَتْ
لِعَذابِهِ جنِّيةُ الدَّيْجورِ
غَرِّدْ ولا تُرْهِبْ يميني إنَّني
مِثْلُ الطُّيورِ بمُهْجَتي وضَميري
لكنْ لَقَدْ هاضَ التُّرابُ مَلامعي
فَلَبِثْتُ مِثلَ البُلبلِ المَكْسورِ
أشدُو برنّاتِ النِّياحَةِ والأسى
مشبوبةً بعواطفي وشُعوري
غرِّدْ ولا تَحْفَل بقلبي إنَّهُ
كالمِعْزَفِ المُتَحَطِّمِ المَهْجورِ
رتِّل على سَمْع الرَّبيعِ نشيدَهُ
واصْدَحْ بفيْضِ فؤادك المَسْجورِ
وانْشِدْ أناشيدَ الجَمال فإنَّها
روحُ الوُجودِ وسَلْوَةُ المَقْهورِ
أنا طائرٌ مُتَغرِّدٌ مُتَرنِّمٌ
لكِنْ بصوتِ كآبتي وزَفيري
يَهْتاجُني صوتُ الطُّيورِ لأنَّه
مُتدفِّقُ بِحَرارةٍ وطَهورِ
مَا في وجود النَّاسِ من شيءٍ به
يَرضَى فؤادي أو يُسَرُّ ضَميري
فإذا استَمَعْتُ حديثهم ألْفَيْتُهُ
غَثًّا يَفيض بِركَّةٍ وفُتورِ
وإذا حَضَرْتُ جُموعَهُمْ ألْفَيْتَني
مَا بينهمْ كالبُلبلِ المأسورِ
متوحِّداً بِعَواطفي ومَشاعِري
وخَواطري وكَآبَتي وسُروري
يَنتابُني حَرَجُ الحياةِ كأنَّني
مِنهمْ بِوَهْدَة جَنْدَلٍ وصُخورِ
فإذا سَكَتُّ تضجَّروا وإذا نَطَقْتُ
تذمَّروا من فكْرَتي وشُعوري
آهٍ منَ النَّاسِ الذين بَلَوْتُهُمْ
فَقَلَوْتُهُمْ في وحشتي وحُبوري
مَا منهُمُ إلاَّ خَبيثٌ غادِرٌ
متربِّصٌ بالنَّاسِ شَرَّ مَصيرِ
ويَودُّ له مَلَكَ الوُجودَ بأسره
ورمى الوَرَى في جاحِمٍ مَسْجورِ
لِيَبُلَّ غُلَّتَهُ التي لا ترتوي
ويَكُضَّ تُهْمَةَ قلبهِ المَغْفورِ
وإذا دخلتُ إلى البلادِ فإنَّ أَف
كاري تُرَفْرِفُ في سُفوحِ الطُّورِ
حيثُ الطَّبيعَةُ حُلوةٌ فتَّانَةٌ
تختال بَيْنَ تَبَرُّجٍ وسُفُورِ
مَاذا أَوَدُّ مِنَ المدينَةِ وهي غا
رقةٌ بموَّارِ الدَّمِ المَهدورِ
مَاذا أَوَدُّ مِنَ المدينَةِ وهي لا
ترثي لصوتِ تَفجُّع المَوْتُورِ
مَاذا أَوَدُّ مِنَ المدينَةِ وهي لا
تَعْنو لغَير الظَّالمِ الشَّرِّيرِ
مَاذا أَوَدُّ مِنَ المدينَةِ وهي مُر
تادٌ لكلِّ دَعَارَةٍ وفُجُورِ
يا أَيُّها الشَّادي المغرِّدُ ههنا
ثَمِلاً بغبطة قَلْبِهِ المسرورِ
قبِّل أَزاهيرَ الرَّبيعِ وغنِّها
رَنَمَ الصَّباحِ الضَّاحِك المحبورِ
واشرب مِنَ النَّبْعِ الجميل الملتوي
مَا بَيْنَ دَوْحِ صَنَوبَرٍ وغَديرِ
واتْرُكْ دموعَ الفجرِ في أَوراقِها
حتَّى تُرشِّفَهَا عَرُوسُ النُّورِ
فَلَرُبَّما كانتْ أَنيناً صاعداً
في اللَّيلِ مِنْ متوجِّعٍ مَقْهُورِ
ذَرَفَتْهُ أَجفانُ الصَّباحِ مدامعاً
أَلاَّقَةً في دَوْحةٍ وزُهورِ

الأُمُّ تَلْثُمُ طِفْلَها وتَضُمُّهُ
حرمٌ سَمَاويُّ الجمالِ مُقَدَّسُ
تَتَألَّهُ الأَفكارُ وهي جِوارَهُ
وتَعودُ طاهرةً هناكَ الأَنفُسُ
حَرَمُ الحَيَاةِ بِطُهْرِها وحَنَانِها
هل فوقَهُ حَرَمٌ أَجلُّ وأَقدسُ
بوركتَ يا حَرَمَ الأُمومَةِ والصِّبا
كم فيكَ تكتملُ الحَيَاةُ وتَقْدُسُ

سَئِمْتُ اللَّيالي وأَوجَاعَها
وما شعْشَعَتْ من رحيقٍ بِصَابْ
فَحَطَّمتُ كَأْسي وأَلقَيتُها
بوَادي الأَسَى وجَحيمِ العَذابْ
فأَنَّتْ وقدْ غَمَرَتْها الدُّمُوعُ
وقَرَّتْ وقدْ فاضَ مِنْها الحَبَابْ
وأَلقى عليها الأَسَى ثَوْبَهُ
وأَقبرَها الصَّمْتُ والإكْتِئابْ
فأَيْنَ الأَماني وأَلْحانُها
وأَينَ الكؤوسُ وأَينَ الشَّرابْ
لقدْ سَحَقَتْها أكفُّ الظَّلامِ
وقدْ رَشَفَتْها شِفاهُ السَّرابْ
فمَا العَيْشُ في حَوْمَةٍ بَأْسُها
شَديدٌ وصَدَّاحُها لا يُجابْ
كَئيبٌ وَحِيدٌ بآلامِهِ
وأَحْلامِهِ شَدْوُهُ الانْتِحابْ
ذَوَتْ في الرَّبيعِ أَزاهِيرُهَا
فَنِمْنَ وقدْ مَصَّهُنَّ التُّرابْ
لوَيِنَ النُّحورَ على ذِلَّةٍ
ومُتْنَ وأَحْلامَهُنَّ العِذابْ
فَحَالَ الجَمَالُ وغَاضَ العبيرُ
وأَذْوى الرَّدَى سِحْرَهنَّ العُجَابْ

أَيُّها الشَّعْبُ ليتني كنتُ حطَّاباً
فأهوي على الجذوعِ بفأسي
ليتني كنتُ كالسُّيولِ إِذا سالتْ
تَهُدُّ القبورَ رمساً برمسِ
ليتني كنتُ كالرِّياحِ فأطوي
كلَّ مَا يخنقُ الزُّهُورَ بنحسي
ليتني كنتُ كالشِّتاءِ أُغَشِّي
كلّ مَا أَذْبَلَ الخريفُ بقرسي
ليتَ لي قوَّةَ العواصفِ يا شعبي
فأَلقي إليكَ ثَوْرَةَ نفسي
ليتَ لي قوَّةَ الأَعاصيرِ إنْ ضجَّتْ
فأدعوكَ للحياةِ بنبسي
ليتَ لي قوَّةَ الأَعاصير لكن
أَنْتَ حيٌّ يقضي الحَيَاة برمسِ
أَنْتَ روحٌ غَبِيَّةٌ تكره النُّور
وتقضي الدُّهُور في ليل مَلْسِ
أَنْتَ لا تدركُ الحقائقَ إن طافتْ
حواليكَ دون مسٍّ وجَبَّسِ
في صباحِ الحَيَاةِ ضَمَّخْتُ أَكوابي
وأَترعتُها بخمرَةِ نفسي
ثمَّ قَدَّمْتُها إليكَ فأَهرقْتَ
رحيقي ودُستَ يا شعبُ كأسي
فتأَلَّمتُ ثمَّ أسْكَتُّ آلامي
وكَفْكَفْتُ من شعوري وحسّي
ثمَّ نَضَّدْتُ من أَزاهيرِ قلبي
باقةً لمْ يمسَّها أيُّ إنْسِي
ثمَّ قَدَّْمتُها إليكَ فمزَّقْتَ
ورودي ودُسْتَهَا أَيَّ دَوْسِ
ثمَّ أَلبسْتَني منَ الحُزْنِ ثوباً
وبِشَوكِ الجبالِ تَوَّجْتَ رأسي
إنَّني ذاهبٌ إلى الغابِ يا شعبي
لأقضي الحَيَاةَ وحدي بيأسِ
إنَّني ذاهبٌ إلى الغابِ علِّي
في صميم الغاباتِ أَدفنُ بؤسي
ثم أنساك ما استطعت فما أنت
بأهل لخمرتي ولكأسي
سوف أَتلو على الطُّيور أَناشيدي
وأُفضِي لها بأشواقِ نفسي
فَهْي تدري معنى الحَيَاة وتدري
أنَّ مجدَ النُّفوسِ يَقْظَةُ حِسِّ
ثمَّ أقضي هناكَ في ظلمةِ اللَّيل
وأُلقي إلى الوُجُودِ بيأسي
ثمَّ تحتَ الصّنَوْبَر النَّاضر الحلو
تَخُطُّ السَّيولُ حُفْرَةَ رمسي
وتظَلُّ الطُّيورُ تلغو على قَبْرِيَ
ويشدو النَّسيمُ فوقي بهمسِ
وتظلُّ الفُصولُ تمشي حوالَيَّ
كما كُنَّ في غَضَارَةِ أَمسي
أَيُّها الشَّعْبُ أَنْتَ طِفْلٌ صغيرٌ
لاعبٌ بالتُّرابِ والليلُ مُغْسِ
أَنْتَ في الكونِ قوَّةً لو تَسُسْها
فكرةٌ عبقريَّةٌ ذاتُ بأسِ
أَنْتَ في الكونِ قوَّةً كبَّلتْها
ظُلُماتُ العُصور مِنْ أمس أمسِ
والشقيُّ الشقيُّ من كانَ مثلي
في حَسَاسِيَّتي ورقَّةِ نفسي
هكذا قالَ شاعرٌ ناولَ النَّاسَ
رحيقَ الحَيَاةِ في خيرِ كأسِ
فأَشاحوا عنها ومرُّوا غضاباً
واستخفُّوا به وقالوا بيأْسِ
قَدْ أَضاعَ الرَّشادَ في ملعبِ الجِنِّ
فيا بؤسَهُ أُصيبَ بمَسِّ
طالما خاطَبَ العواطفَ في اللَّيلِ
وناجى الأَمواتَ مِنْ كلِّ جِنْسِ
طالما رافق الظلام إلى الغاب
ونادى الأرواح من كل جنس
طالما حدَّثَ الشياطين في الوادي
وغنَّى مع الرِّياح بجَرْسِ
إنَّه ساحرٌ تُعَلِّمُهُ السِّحْرُ
الشياطينُ كلَّ مَطْلعِ شَمْسِ
فابعِدوا الكافرَ الخبيثَ عن الهيكلِ
إنَّ الخَبيثَ منبعُ رِجْسِ
اطردوه ولا تُصيخوا إليه
فهو روحٌ شريرةٌ ذاتُ نحْسِ
هكذا قالَ شاعرٌ فيلسوفٌ
عاشَ في شعبهِ الغبيِّ بتَعْسِ
جَهِلَ النَّاسُ روحَهُ وأغانيها
فَسَاموا شعورَهُ سوْمَ بَخْسِ
فهو في مذهبِ الحَيَاةِ نبيٌّ
وهو في شعبِهِ مُصابٌ بمسِّ
هكذا قالَ ثمَّ سارَ إلى الغابِ
ليحيا حياةَ شِعْرٍ وقُدْسِ
وبعيداً هناكَ في معبد الغاب
الَّذي لا يُظِلُّهُ أَيُّ بؤْسِ
في ظلال الصَّنَوْبَرِ الحلوِ والزَّيتونِ
يقضي الحياة حَرْساً بحرْسِ
في الصَّباحِ الجميل يشدو مع الطَّيرِ
ويَمْشي في نشوةِ المُتَحَسِّي
نافخاً نايَهُ حواليْهِ تهتزُّ
ورودُ الرَّبيعِ مِنْ كلِّ قنْسِ
شَعْرُهُ مُرْسَلٌ تُداعِبُهُ الرِّيحُ
على منكبيْه مثلَ الدُّمُقْسِ
والطُّيورُ الطِّرابُ تشدو حواليه
وتلغو في الدَّوحِ مِنْ كلِّ جنْسِ
وتراهُ عند الأصيلِ لدى الجدول
يرنو للطَّائرِ المتحسِّي
أَو يغنِّي بَيْنَ الصَّنَوْبَرِ أَو يرنو
إلى سُدْفَةِ الظَّلامِ المُمَسِّي
فإذا أَقْبَلَ الظَّلامُ وأَمستْ
ظلماتُ الوُجُود في الأَرضِ تُغسي
كانَ في كوخه الجميل مقيماً
يَسْأَلُ الكونَ في خشوعٍ وهَمْسِ
عن مصبِّ الحَيَاةِ أَيْنَ مَداهُ
وصميمِ الوُجُودِ أَيَّان يُرسي
وأَريجِ الورودِ في كلِّ وادٍ
ونَشيدِ الطُّيورِ حين تمسِّي
وهزيمِ الرِّياح في كلِّ فَجٍّ
ورُسُومِ الحَيَاةِ من أمس أمْسِ
وأغاني الرُّعاة أَيْنَ يُواريها
سُكُونُ الفَضا وأَيَّانَ تُمْسي
هكذا يَصْرِفُ الحَيَاةَ ويُفْني
حَلَقَاتِ السِّنينِ حَرْساً بحَرْسِ
يا لها مِنْ معيشةٍ في صميمِ الغابِ
تُضْحي بَيْنَ الطُّيورِ وتُمْسي
يا لها مِنْ معيشةٍ لم تُدَنّسْهَا
نفوسُ الوَرَى بخُبْثٍ ورِجْسِ
يا لها مِنْ معيشةٍ هيَ في الكونِ
حياةٌ غريبةٌ ذاتُ قُدْسِ

يا عَذارى الجمال والحُبِّ والأحلامِ
بَلْ يا بَهاءَ هذا الوُجودِ
قَدْ رأيْنا الشُّعورَ مُنْسَدِلاتٍ
كلّلَتْ حُسْنَها صباحُ الورودِ
ورَأينا الجفونَ تَبْسِمُ أو تَحْلُمُ
بالنُّورِ بالهوى بالنّشيدِ
ورَأينا الخُدودَ ضرّجَها السِّحْرُ
فآهاً من سِحْرِ تِلْكَ الخُدودِ
ورأينا الشِّفاهَ تَبْسِمُ عن دنْيا
من الوَردِ غَضّةٍ أُمْلودِ
ورأينا النُّهودَ تَهْتَزُّ كالأزهارِ
في نَشْوَة الشَّبابِ السَّعيدِ
فتنةٌ توقِظُ الغَرامَ وتُذْكيهِ
ولكنْ ماذا وراءَ النُّهودِ
مَا الَّذي خَلْفَ سِحْرِها الحالمِ السَّكرانِ
في ذلك القرار البعيدِ
أنُفوسٌ جميلةٌ كطيورِ الغابِ
تَشْدو بِساحِرِ التَغْريدِ
طاهراتٌ كأنَّها أرَجُ الأزهارِ
في مَوْلدِ الرَّبيعِ الجَديدِ
وقلوبٌ مضيئةٌ كنُجومِ اللّيلِ
ضَوّاعَةٌ كَغَضِّ الوُرودِ
أو ظَلامٌ كأنَّهُ قِطَعُ اللّيلِ
وهَوْلٌ يُشيبُ قلبَ الوليدِ
وخِضَمُّ يَموج بالإثمِ والنَّكْرِ
والشَّرِّ والظِّلالِ المَديدِ
لستُ أدري فرُبَّ زهرٍ شديِّ
قاتلٌ رُغْمَ حُسْنِهِ المَشْهودِ
صانَكُنَّ الإلهُ من ظُلْمةِ الرُّوحِ
ومن ضَلّة الضّميرِ المُريدِ
إنَّ لَيلَ النُّفوسِ ليلٌ مريعٌ
سَرْمَديُّ الأسى شنيعُ الخُلودِ
يرزَحُ القَلْبُ فيه بالألَم المرّ
ويَشقى بعيشِهِ المَنْكودِ
ورَبيعُ الشَّبابِ يُذبِلُهُ الدّهْرُ
ويمضي بِحُسِنهِ المَعْبودِ
غيرُ باقٍ في الكونِ إلاَّ جمالُ
الرُّوح غضًّا على الزَّمانِ الأبيدِ

يا ليلُ مَا تصنعُ النَّفْسُ التي سَكَنتْ
هذا الوجودَ ومن أعدائها القَدَرُ
ترضى وتَسْكُتُ هذا غيرُ محتَمَلٍ
إِذاً فهل ترفُضُ الدُّنيا وتنتحرُ
وذا جنونٌ لَعَمْري كُلُّهُ جَزَعٌ
باكٍ ورأيٌ مريضٌ كُلُّه خَوَرُ
فإنّما الموت ضَرْبُ من حبائِلِهِ
لا يُفلتُ الخلقُ مَا عاشوا فما النَّظرُ
هذا هو اللغْزُ عَمَّاهُ وعَقَّدَهُ
على الخليقةِ وَحْشٌ فاتكٌ حَذِرُ
قَدْ كبَّلَ القَدَرُ الضَّاري فرائِسَهْ
فما استطاعوا له دفعاً ولا حزَروا
وخاطَ أعينَهم كي لا تُشاهِدَهُ
عينٌ فتعلمَ مَا يأتي وما يَذَرُ
وحاطَهُمْ بفنونٍ من حَبائِلِهِ
فما لَهُمْ أبداً من بطشِه وَزرُ
لا الموت يُنْقِذُهُمْ من هولِ صولَتِهِ
ولا الحياةُ تَساوى النّاسُ والحَجَرُ
حارَ المساكينُ وارتاعوا وأعْجَزَهم
أن يحذَروه وهلْ يُجديهمُ الحَذَرُ
وهُمْ يعيشونَ في دنيا مشيَّدةٍ
منَ الخطوب وكونٍ كلَّه خَطرُ
وكيف يحذرُ أعمَى مُدْلِجٌ تَعِبٌ
هولَ الظَّلامِ ولا عَزمٌ ولا بَصَرُ
قَدْ أيقنوا أنَّهُ لا شيءَ يُنقِذُهُمْ
فاستسلموا لِسُكونِ الرُّعْبِ وانتظروا
ولو رأوه لسارتْ كي تحارِبَه
من الوَرَى زُمَرٌ في إثرِها زُمَرُ
وثارتِ الجنّ والأملاكَ ناقمةً
والبحرُ والبَرُّ والأفلاكُ والعُصرُ
لكنّهُ قوّةٌ تُملي إرادتَها
سِرًّا فَنَعْنو لها قهراً ونأتمرُ
حقيقةٌ مرّةٌ يا ليلُ مُبْغَضَةٌ
كالموتِ لكنْ إليها الوِرْدُ والصَّدَرُ
تَنَهَّدَ اللَّيْلُ حتَّى قلتُ قَدْ نُثِرَتْ
تِلكَ النُّجومُ وماتَ الجنُّ والبَشَرُ
وعادَ للصَّمتِ يُصغي في كآبته
كالفيلسوف إلى الدنيا ويفتكرُ
وقَهْقَهَ القَدَرُ الجبَّارُ سُخْريةً
بالكائناتِ تَضاحَكْ أَيُّها القَدَرُ
تمشي إلى العَدَمِ المحتومِ باكيةً
طوائفُ الخَلْقِ والأشكالُ والصُّوَرُ
وأنت فوقَ الأسى والموت مبتسمٌ
ترنو إلى الكون يُبْنَى ثمَّ يندَثِرُ

اسْكُني يا جِراحْ
واسْكُتي يا شُجُونْ
ماتَ عَهْدُ النُّواحْ
وزَمَانُ الجُنُونْ
وأَطَلَّ الصَّبَاحْ
مِنْ وراءِ القُرُونْ
في فِجاجِ الرَّدى
قَدْ دفنتُ الأَلمْ
ونثرتُ الدُّموعْ
لرِيَاحِ العَدَمْ
واتَّخذتُ الحَيَاةْ
معزفاً للنَّغَمْ
أَتغنَّى عليهْ
في رِحابِ الزَّمانْ
وأَذبتُ الأَسَى
في جمالِ الوُجُودْ
ودَحَوْتُ الفؤادْ
واحةً للنَّشيدْ
والضِّيا والظِّلالْ
والشَّذَى والورودْ
والهوى والشَّبابْ
والمنى والحَنانْ
اسكُني يا جراحْ
واسكُتي يا شُجونْ
ماتَ عَهْدُ النُّواحْ
وزَمَانُ الجُنُونْ
وأَطَلَّ الصَّبَاحْ
مِنْ وراءِ القُرُونْ
في فؤادي الرَّحيبْ
مَعْبَدٌ للجَمَالْ
شيَّدتْهُ الحَيَاةْ
بالرُّؤى والخَيالْ
فَتَلَوْتُ الصَّلاةْ
في خشوعِ الظِّلالْ
وحَرَقْتُ البُخُورْ
وأَضَأْتُ الشُّمُوعْ
إنَّ سِحْرَ الحَيَاةْ
خَالدٌ لا يزولْ
فَعَلامَ الشَّكَاةْ
مِنْ ظَلامٍ يَحُولْ
ثمَّ يأتي الصَّباحْ
وتَمُرُّ الفُصُولْ
سوف يأتي رَبيعْ
إن تقضَّى رَبيعْ
اسكُني يا جراحْ
واسكُتي يا شُجونْ
ماتَ عَهْدُ النُّواحْ
وزَمَانُ الجُنُونْ
وأَطَلَّ الصَّبَاحْ
مِنْ وراءِ القُرُونْ
مِنْ وراءِ الظَّلامْ
وهديرِ المياهْ
قَدْ دعاني الصَّباحْ
ورَبيعُ الحَيَاهْ
يا لهُ مِنْ دُعاءْ
هزَّ قلبي صَداهْ
لمْ يَعُدْ لي بقاءْ
فَوْقَ هذي البقاعْ
الْوَداعَ الوَداعْ
يا جِبَالَ الهُمومْ
يا ضَبابَ الأَسى
يا فِجاجَ الجحيمْ
قَدْ جرى زَوْرَقي
في الخِضَّمِ العَظيمْ
ونشرتُ القلاعْ
فالوَداعْ الوداعْ

القلب الحكيم 09-10-18 02:01 PM

رد: أبو القاسم الشابي
 
أَقْبَلَ الصُّبْحُ يُغنِّي
للحياةِ النَّاعِسَهْ
والرُّبى تَحلمُ في ظِلِّ
الغُصونِ المائِسَهْ
والصَّبا تُرْقِصُ أَوراقَ
الزُّهورِ اليابسَهْ
وتَهادى النُّورَ في
تِلْكَ الفِجاجِ الدَّامسَهْ
أَقبلَ الصُّبْحُ جميلاً
يملأُ الأُفْقَ بَهَاهْ
فتَمَطَّى الزَّهرُ والطَّيْرُ
وأَمواجُ المياهْ
قَدْ أَفاقَ العالم الحيُّ
وغَنَّى للحياهْ
فأَفيقي يا خِرافي
وهَلُمِّي يا شِياهْ
واتبعِيني يا شِياهي
بَيْنَ أَسرابِ الطُّيورْ
واملإِي الوادي ثُغاءً
ومِراحاً وحُبُورْ
واسمعي هَمْسَ السَّواقي
وانشقي عِطْرَ الزُّهُورْ
وانظري الوادي يُغَشِّيهِ
الضَّبابُ المُسْتَنيرْ
واقطُفي من كلإِ الأَرضِ
ومَرعاها الجَديدْ
واسمعي شبَّابتي تَشْدُو
بمعسولِ النَّشيدْ
نَغَمٌ يَصْعَدُ مِنْ قلبي
كأَنفاسِ الوُرودْ
ثمَّ يَسْمو طائراً كالبلبلِ
الشَّادي السَّعيدْ
وإذا جئْنا إلى الغابِ
وغطَّانا الشَّجَرْ
فاقطُفي مَا شئْتِ مِنْ عُشْبٍ
وزهرٍ وثَمَرْ
أرضَعَتْهُ الشَّمسُ بالضَّوءِ
وغذَّاهُ القَمَرْ
وارتَوَى مِنْ قَطَراتِ الظَّلِّ
في وقتِ السَّحَرْ
وامْرَحي مَا شئتِ في الوديانِ
أَو فَوْقَ التِّلالْ
واربضي في ظلِّها الوارِفِ
إنْ خِفْتِ الكَلالْ
وامْضَغي الأَعشابَ والأَفكارَ
في صَمْتِ الظِّلالْ
واسمعي الرِّيحَ تُغَنِّي
في شَمَاريخِ الجِبَالْ
إنَّ في الغابِ أَزاهيراً
وأَعشاباً عِذابْ
يُنشِدُ النَّحْلُ حوالَيْها
أَهازيجاً طِرابْ
لمْ تُدَنِّسْ عِطرها الطَّاهرِ
أَنفاسَ الذِّئابْ
لا ولا طافَ بها الثَّعْلَبُ
في بعضِ الصِّحابْ
وشذاً حلواً وسِحْراً
وسَلاماً وظِلالْ
ونَسيماً ساحرَ الخطوَةِ
مَوْفُورَ الدَّلالْ
وغُصوناً يرقُصُ النُّورُ
عليها والجَمالْ
واخضراراً أَبديًّا
لَيْسَ تَمحوهُ اللَّيالْ
لن تَملِّي يا خِرافي
في حِمى الغابِ الظَّليلْ
فزَمَانُ الغابِ طفلٌ لاعبٌ
عَذْبٌ جميلْ
وزمانُ النَّاسِ شَيْخٌ
عابِسُ الوجهِ ثَقيلْ
يتمشَّى في مَلالٍ
فَوْقَ هاتيكَ السُّهولْ
لكِ في الغاباتِ مرعاكِ
ومَسْعاكِ الجميلْ
وليَ الإِنْشادُ والعَزْفُ
إلى وَقْتِ الأَصيلْ
فإذا طالتْ ظِلالُ الكَلإِ
الغضِّ الضَّئيلْ
فهلمِّي نُرْجِعِ المَسْعَى
إلى الحيِّ النَّبيلْ

مَهْمَا تأمَّلْتُ الحياةَ
وَجُبْتُ مَجْهَلَها الرَّهِيبْ
ونَظَرْتُ حولي لَمْ أَجِدْ
إلاَّ شُكُوكَ المُسْتَريبْ
حتَّى دَهِشْتُ وما أُفِدْتُ
بدهشتي رأياً مُصيبْ
لكنَّني أَجْهَدْتُ نَفْسي
وهيَ باديَةُ اللُّغوبْ
وَدَفَعْتُها وهيَ الهزيلَةُ
في مُغالَبَةِ الكُروبْ
في مَهْمَهٍ مَتَقَلِّبٍ
تُخْشَى غَوَائِلُهُ جَديبْ
فإذا أصابَتْ من
مَنَاهِلِهِ شراباً تَسْتَطيبْ
أَروتْ جوانِحَهَا وذلك
حَسْبُها كيما تَؤُوبْ
ومَنِ ارتوى في هذه
الدُّنيا تَسَنَّمَهَا خَطِيبْ
أَوْ لا فقد رَكِبَتْ من
الأَيَّامِ مَرْكَبَها العَصِيبْ
وَقَضَتْ كما شاءَ الخُلودُ
وفي جوانِحِهَا اللَّهيبْ

سَأعيشُ رَغْمَ الدَّاءِ والأَعداءِ
كالنَّسْر فوقَ القِمَّةِ الشَّمَّاءِ
أرْنُو إلى الشَّمْسِ المُضِيئةِ هازِئاً
بالسُّحْبِ والأَمطارِ والأَنواءِ
لا أرْمقُ الظِّلَّ الكئيبَ ولا أرَى
مَا في قَرارِ الهُوَّةِ السَّوداءِ
وأَسيرُ في دُنيا المَشَاعرِ حالِماً
غَرِداً وتلكَ سَعادةُ الشعَراءِ
أُصْغي لمُوسيقى الحَياةِ وَوَحْيِها
وأذيبُ روحَ الكَوْنِ في إنْشَائي
وأُصيخُ للصَّوتِ الإِلهيِّ الَّذي
يُحْيي بقلبي مَيِّتَ الأَصْداءِ
وأقولُ للقَدَرِ الَّذي لا ينثني
عَنْ حَرْبِ آمالي بكلِّ بَلاءِ
لا يُطْفِئُ اللَّهبَ المؤجَّجَ في دمي
موجُ الأسى وعواصفُ الأَزراءِ
فاهدمْ فؤادي ما استطعتَ فانَّهُ
سيكون مثلَ الصَّخرة الصَّمَّاءِ
لا يعرفُ الشَّكوى الذليلَة والبكا
وضراعَة الأَطفالِ والضّعفاءِ
ويعيشُ جبَّاراً يحدِّق دائماً
بالفجر بالفجرِ الجميلِ النَّائي
إِملأْ طريقي بالمخاوفِ والدُّجى
وزوابعِ الأَشواكِ والحصباءِ
وانْشر عليه الرُّعب واثر فوقه
رُجُمَ الرَّدى وصواعقَ البأساءِ
سَأَظلُّ أمشي رغمَ ذلك عازفاً
قيثارتي مترنِّماً بغنائي
أَمشي بروحٍ حالمٍ متَوَهِّجٍ
في ظُلمةِ الآلامِ والأَدواءِ
النُّور في قلبي وبينَ جوانحي
فَعَلامَ أخشى السَّيرَ في الظلماءِ
إنِّي أنا النَّايُ الَّذي لا تنتهي
أنغامُهُ ما دام في الأَحياءِ
وأنا الخِضَمُّ الرحْبُ ليس تزيدُهُ
إلاَّ حياةً سَطْوةُ الأَنواءِ
أمَّا إِذا خمدت حياتي وانقضى
عُمُري وأخرسَتِ المنيَّةُ نائي
وخبا لهيبُ الكون في قلبي الَّذي
قد عاش مِثْلَ الشُّعْلَةِ الحمراءِ
فأنا السَّعيد بأنَّني مُتحوِّلٌ
عن عالمِ الآثامِ والبغضاءِ
لأذوبَ في فجر الجمال السرمديِّ
وأرتوي من مَنْهَلِ الأَضواءِ
وأَقولُ للجَمْعِ الَّذين تجشَّموا
هَدْمي وودُّوا لو يخرُّ بنائي
ورأوْا على الأَشواكِ ظلِّيَ هامِداً
فتخيَّلوا أَنِّي قضيْتُ ذَمائي
وغدوْا يَشُبُّون اللَّهيبَ بكلِّ ما
وجدوا ليشوُوا فوقَهُ أشلائي
ومضَوْا يَمُدُّونَ الخُوَانَ ليأكلوا
لحمي ويرتشفوا عليه دِمائي
إنِّي أقولُ لهمْ ووجهي مُشرقٌ
وعلى شفاهي بَسْمَةُ استهزاءِ
إنَّ المعاوِلَ لا تَهُدُّ مناكبي
والنَّارَ لا تأتي على أعضائي
فارموا إلى النَّار الحشائشَ والعبوا
يا مَعْشَرَ الأَطفالِ تحتَ سَمائي
وإذا تمرَّدتِ العَواصفُ وانتشى
بالهولِ قلْبُ القبَّةِ الزَّرقاءِ
ورأيتموني طائراً مترنِّماً
فوقَ الزَّوابعِ في الفَضاءِ النَّائي
فارموا على ظلِّي الحجارةَ واختفوا
خَوْفَ الرِّياحِ الْهوجِ والأَنواءِ
وهناكَ في أمنِ البيوتِ تطارحوا
غَثَّ الحديثِ وميِّتَ الآراءِ
وترنَّموا ما شئتمُ بِشَتَائمي
وتجاهَروا ما شئتمُ بعِدائي
أمَّا أنا فأُجيبكمْ مِنْ فوقكمْ
والشَّمسُ والشَّفقُ الجميل إزائي
مَنْ جَاشَ بالوحي المقدَّسِ قلبُه
لم يحتفل بحِجَارةِ الفلتاءِ

أَراكِ فَتَحْلو لَدَيَّ الحَيَاةُ
ويملأُ نَفسي صَبَاحُ الأَملْ
وتنمو بصدري وُرُودٌ عِذابٌ
وتحنو على قلبيَ المشْتَعِلْ
ويفْتِنُني فيكِ فيضُ الحَيَاةِ
وذاك الشَّبابُ الوديعُ الثَّمِلْ
ويفْتِنُني سِحْرُ تِلْكَ الشِّفاهْ
ترفرفُ مِنْ حَوْلهنَّ القُبَلْ
فأَعبُدُ فيكِ جمالَ السَّماءِ
ورقَّةَ وردِ الرَّبيعِ الخضِلْ
وطُهْرَ الثُّلوجِ وسِحْرَ المروج
مُوَشَّحَةً بشُعاعِ الطَّفَلْ
أَراكِ فأُخْلَقُ خلْقاً جديداً
كأنِّيَ لمْ أَبْلُ حربَ الوُجُودْ
ولم أَحتمل فيه عِبئاً ثقيلاً
من الذِّكْرَياتِ التي لا تَبيدْ
وأَضغاثِ أَيَّاميَ الغابراتِ
وفيها الشَّقيُّ وفيها السَّعيدْ
ويغْمُرُ روحِي ضِياءٌ رَفيقٌ
تُكلِّلهُ رائعاتُ الورودْ
وتُسْمِعُني هاتِهِ الكائِناتُ
رقيقَ الأَغاني وحُلْوَ النَّشيدْ
وتَرْقُصُ حَولي أَمانٍ طِرابٌ
وأَفراحُ عُمْرٍ خَلِيٍّ سَعيدْ
أَراكِ فتخفُقُ أَعصابُ قلبي
وتهتزُّ مِثْلَ اهتزازِ الوَتَرْ
ويُجري عليها الهَوَى في حُنُوٍّ
أَناملَ لُدْناً كرَطْبِ الزَّهَرْ
فتخطو أَناشيدُ قلبيَ سَكْرى
تغرِّدُ تَحْتَ ظِلالِ القَمَرْ
وتملأُني نشوةٌ لا تُحَدُّ
كأَنِّيَ أَصبحتُ فوقَ البَشَرْ
أَودُّ بروحي عِناقَ الوُجُودِ
بما فيهِ مِنْ أَنْفُسٍ أَو شَجَرْ
وليلٍ يفرُّ وفجرٍ يكرُّ
وغَيْمٍ يوَشِّي رداءَ السِّحَرْ

خُلقتَ طَليقاً كَطَيفِ النَّسيمِ
وحُرًّا كَنُورِ الضُّحى في سَمَاهْ
تُغَرِّدُ كالطَّيرِ أَيْنَ اندفعتَ
وتشدو بما شاءَ وَحْيُ الإِلهْ
وتَمْرَحُ بَيْنَ وُرودِ الصَّباحِ
وتنعَمُ بالنُّورِ أَنَّى تَرَاهْ
وتَمْشي كما شِئْتَ بَيْنَ المروجِ
وتَقْطُفُ وَرْدَ الرُّبى في رُبَاهْ
كذا صاغكَ اللهُ يا ابنَ الوُجُودِ
وأَلْقَتْكَ في الكونِ هذي الحيَاهْ
فما لكَ ترضَى بذُلِّ القيودِ
وتَحْني لمنْ كبَّلوكَ الجِبَاهْ
وتُسْكِتُ في النَّفسِ صوتَ الحَيَاةِ
القويَّ إِذا مَا تغنَّى صَدَاهْ
وتُطْبِقُ أَجْفانَكَ النَّيِّراتِ عن الفجرِ
والفجرُ عَذْبٌ ضيَاهْ
وتَقْنَعُ بالعيشِ بَيْنَ الكهوفِ
فأَينَ النَّشيدُ وأينَ الإِيَاهْ
أَتخشى نشيدَ السَّماءِ الجميلَ
أَتَرْهَبُ نورَ الفضَا في ضُحَاهْ
ألا انهضْ وسِرْ في سبيلِ الحَيَاةِ
فمنْ نامَ لم تَنْتَظِرْهُ الحَيَاهْ
ولا تخشى ممَّا وراءَ التِّلاعِ
فما ثَمَّ إلاَّ الضُّحى في صِبَاهْ
وإلاَّ رَبيعُ الوُجُودِ الغريرُ
يطرِّزُ بالوردِ ضافي رِدَاهْ
وإلاَّ أَريجُ الزُّهُورِ الصُّبَاحِ
ورقصُ الأَشعَّةِ بَيْنَ الميَاهْ
وإلاَّ حَمَامُ المروجِ الأَنيقُ
يغرِّدُ منطلِقاً في غِنَاهْ
إلى النُّورِ فالنُّورُ عذْبٌ جميلٌ
إلى النُّورِ فالنُّورُ ظِلُّ الإِلهْ

يا مَوْتُ قدْ مزَّقْتَ صَدْري
وقَصَمْت بالأَرزاءَ ظَهْرِي
ورمَيْتَني مِنْ حالقٍ
وسَخِرْتَ منِّي أَيَّ سُخْرِ
فلَبِثْتُ مرضوضَ الفؤادِ
أَجرُّ أجنحتي بذُعْرِ
وقَسَوْتَ إذْ أَبقيتَنِي في
الكونِ أَذْرَعُ كُلَّ وَعْرِ
وفَجَعْتَني فيمَنْ أُحِبُّ
ومنْ إليهِ أَبُثُّ سرِّي
وأَعُدُّهُ فَجْرِي الجميلَ
إِذا ادْلَهَمَّ عليَّ دَهْري
وأَعُدُّهُ وَرْدِي ومِزْماري
وكَاسَاتي وخَمْرِي
وأَعُدُّهُ غَابي ومِحْرابي
وأُغْنِيَتي وفَجْرِي
وَرَزَأْتَني في عُمْدَتي
ومَشُورَتي في كلِّ أمْرِ
وهَدَمْتَ صرحاً لا أَلوذُ
بغيرِهِ وهَتَكْتَ سِتْرِي
فَفَقَدْتُ روحاً طاهراً
شهماً يَجِيشُ بكلِّ خَيْرِ
وَفَقَدْتُ قلباً همُّهُ أَنْ
يستوي في الأُفقِ بدْرِي
وَفَقَدْتُ كفًّا في الحَيَاةِ
يصُدُّ عنِّي كلَّ شرِّ
وَفَقَدْتُ وجهاً لا يُعَبِّسُهُ
سوى حَزَني وضُرِّي
وَفَقَدْتُ نفساً لا تَني عنْ
صوْن أَفراحي وبِشْرِي
وَفَقَدْتُ رُكني في الحَيَاةِ
ورايَتي وعمادَ قصْرِي
يَا مَوْتُ قَدْ مَزَّقْتَ صَدْري
وقَصَمْتَ بالأَزراءِ ظهْرِي
يَا مَوْتُ ماذا تبتغِي منِّي
وقدْ مزَّقتَ صَدْرِي
ماذا تودُّ وأَنتَ قَدْ
سوَّدتَ بالأَحزانِ فِكْرِي
وتَرَكْتَني في الكائناتِ
أَئِنُّ منفرداً بإِصْرِي
وأَجوبُ صحراءَ الحَيَاةِ
أَقولُ أَيْنَ تُراهُ قبْرِي
ماذا تَوَدُّ من المُعَذَّبِ
في الوُجُودِ بغيرِ وِزْرِ
ماذا تودُّ من الشَّقيِّ
بعيشِهِ النَّكِدِ المُضِرِّ
إنْ كنتَ تطلبُني فهاتِ
الكأسَ أَشربُها بصَبْرِ
أَو كنتَ ترقُبُني فهاتِ
السَّهمَ أَرشُقُهُ بنَحْرِي
خذني إليكَ فقد تبخَّرَ
في فضاءِ الهمِّ عُمْرِي
وتَهَدَّلَتْ أَغْصانُ أَيَّامي
بلا ثَمَرٍ وزَهْرِ
وتناثَرَتْ أَوراقُ أَحلامي
على حَسَكِ المَمرِّ
خذني إليكَ فقدْ ظمِئْتُ
لكأسِكَ الكَدِر الأَمرِّ
خذني فقدْ أَصبَحْتُ أَرقُبُ
في فَضَاكَ الجوْنِ فَجْرِي
خذني فما أَشقى الَّذي
يقضي الحَيَاة بمِثْلَ أَمْرِي
يَا مَوْتُ قَدْ مزَّقتَ صدْرِي
وقصمتَ بالأَزراءِ ظهْرِي
يَا مَوْتُ قَدْ شاعَ الفؤادُ
وأقفرتْ عَرَصَاتُ صدْرِي
وغَدَوْتُ أَمشي مُطْرِقاً مِنْ
طُول مَا أَثْقَلْتَ فِكْرِي
يَا مَوْتُ نفسي ملَّتِ الدُّنيا
فهلْ لم يأْتِ دوْرِي

أتفنى ابتِساماتُ تِلْكََ الجفونِ
ويَخبو توهُّجُ تِلْكََ الخدودْ
وتذوي وُرَيْداتُ تِلْكَ الشِّفاهِ
وتهوي إلى التُّرْبِ تِلْكَ النَّهودْ
وينهدُّ ذاك القوامُ الرَّشيقُ
وينحلُّ صَدْرٌ بديعٌ وَجيدْ
وتربَدُّ تِلْكََ الوُجوهُ الصِّباحُ
وفتنةُ ذاكَ الجمال الفَريدْ
ويغبرُّ فرعٌ كجنْحِ الظَّلامِ
أنيقُ الغدائرِ جَعْدٌ مَديدْ
ويُصبحُ في ظُلُماتِ القبورِ
هباءً حقيراً وتُرْباً زهيدْ
وينجابُ سِحْرُ الغرامِ القويِّ
وسُكرُ الشَّبابِ الغريرِ السَّعيدْ
أتُطوَى سَمواتُ هذا الوجود
ويذهبُ هذا الفضاءُ البعيدْ
وتَهلِكُ تِلْكََ النُّجومُ القُدامى
ويهرمُ هذا الزَّمانُ العَهيدْ
ويقضي صَباحُ الحياةِ البديعُ
وليلُ الوجودِ الرهيبُ العتيدْ
وشمسٌ توشِّي رداءَ الغمامِ
وبدرٌ يضيءُ وغيمٌ يجودْ
وضوءٌ يُرَصِّع موجَ الغديرِ
وسِحْرٌ يطرِّزُ تِلْكَ البُرودْ
وبحرٌ فسيحٌ بعيدُ القرارِ
يَضُجُّ ويَدْوي دويَّ الوليدْ
وريحٌ تمرُّ مُرورَ الملاكِ
وتخطو إلى الغابِ خَطْوَ الرُّعودْ
وعاصفةٌ من نباتِ الجحيم
كأنَّ صَداها زَئيرُ الأسودْ
تَعجُّ فَتَدْوي حنايا الجبال
وتمشي فتهوي صُخورُ النُّجودْ
وطيرٌ تغنِّي خِلالَ الغُصونِ
وتَهْتِفُ للفجرِ بَيْنَ الورودْ
وزهرٌ ينمِّقُ تِلْكََ التِّلالَ
ويَنْهَلُ من كلِّ ضَوءٍ جَديدْ
ويعبَقُ منه أريجُ الغَرامِ
ونَفْحُ الشَّبابِ الحَيِيِّ السَّعيدْ
أيسطو على الكُلِّ ليلُ الفناء
ليلهو بها الموتُ خَلْفَ الوجود
ويَنْثُرَها في الفراغِ المُخيفِ
كما تنثرُ الوردَ ريحٌ شَرودْ
فينضُبُ يمُّ الحياةِ الخضمُّ
ويخمدُ روحُ الرَّبيعِ الوَلودْ
فلا يلثمُ النُّورُ سِحْرَ الخُدودِ
ولا تُنْبِتُ الأرضُ غضَّ الورودْ
كبيرٌ على النَّفسِ هذا العفاءُ
وصَعْبٌ على القلبِ هذا الهمودْ
وماذا على القَدَر المستَمرِّ
لوِ اسْتمرَأ النَّاسُ طعمَ الخلودْ
ولم يُخْفَروا بالخرابِ المحيط
ولم يُفْجَعوا في الحبيب الودودْ
ولم يسلكوا للخُلود المرجَّى
سبيلَ الرّدى وظَلامَ اللّحودْ
فَدامَ الشَّبابُ وسِحْرُ الغرامِ
وفنُّ الرَّبيعِ ولُطفُ الورودْ
وعاش الوَرَى في سلامٍ أمينٍ
وعيشٍ غضيرٍ رخيٍّ رغيدْ
ولكنْ هو القَدَرُ المستبدُّ
يَلذُّ له نوْحُنا كالنَّشيدْ
تَبَرَّمْتَ بالعيشِ خوفَ الفناءِ
ولو دُمْتُ حيًّا سَئمتَ الخلودْ
وعِشْتَ على الأَرضِ مثل الجبال
جليلاً رهيباً غريباً وَحيدْ
فَلَمْ تَرتشفْ من رُضابِ الحياة
ولم تصطَبحْ من رَحيق الوجودْ
وما نشوةُ الحبِّ عندَ المحبِّ
وما سِحْرُ ذاك الرَّبيعِ الوليدْ
ولم تدرِ مَا فتنةُ الكائناتِ
وما صرخَةُ القلبِ عندَ الصّدودْ
ولم تفتكر بالغَدِ المسترابِ
ولم تحتفل بالمرامِ البعيدْ
وماذا يُرجِّي ربيبُ الخلودِ
من الكونِ وهو المقيمُ العهيدْ
وماذا يودُّ وماذا يخافُ
من الكونِ وهو المقيمُ الأَبيدْ
تأمَّلْ فإنَّ نِظامَ الحياةِ
نِظامٌ دقيقٌ بديعٌ فريدْ
فما حبَّبَ العيشَ إلاَّ الفناءُ
ولا زانَه غيرُ خوفِ اللُّحودْ
ولولا شقاءُ الحياةِ الأليمِ
لما أَدركَ النَّاسُ معنى السُّعودْ
ومن لم يرُعْهُ قطوبُ الدّياجيرِ
لَمْ يغتبط بالصَّباحِ الجديدْ
إِذا لم يكن مِنْ لقاءِ المنايا
مَناصٌ لمَنْ حلَّ هذا الوجودْ
فأيّ غِنَاءٍ لهذي الحياة
وهذا الصِّراعِ العنيفِ الشَّديدْ
وذاك الجمالِ الَّذي لا يُملُّ
وتلكَ الأَغاني وذاك النَّشيدْ
وهذا الظَّلامِ وذاك الضِّياءِ
وتلكَ النُّجومِ وهذا الصَّعيدْ
لماذا نمرُّ بوادي الزَّمانِ
سِراعاً ولكنَّنا لا نَعودْ
فَنَشْرَبَ مِنْ كلِّ نبعٍ شراباً
ومنهُ الرَّفيعُ ومنه الزَّهيدْ
ومِنْهُ اللَّذيذُ ومِنْهُ الكَريهُ
ومِنْهُ المشِيدُ ومِنْهُ المبيدْ
ونَحْمِلُ عبْئاً من الذّكرياتِ
وتلكَ العهودِ الَّتي لا تعودْ
ونشهدُ أشكالَ هذي الوجوهِ
وفيها الشَّقيُّ وفيها السَّعيدْ
وفيها البَديعُ وفيها الشَّنيعُ
وفيها الوديعُ وفيها العنيدْ
فيُصبحُ منها الوليُّ الحميمُ
ويصبحُ منها العدوُّ الحقُودْ
وكلٌّ إِذا مَا سألنا الحَيَاةَ
غريبٌ لعَمْري بهذا الوجودْ
أتيناه من عالمٍ لا نراه
فُرادى فما شأْنُ هذي الحقُودْ
وما شأْنُ هذا العَدَاءِ العنيفِ
وما شأْنُ هذا الإِخاءِ الوَدودْ
خُلِقنا لنبلُغَ شأْوَ الكمالِ
وَنُصبح أهلاً لمجدِ الخُلُودْ
وتطهر أرواحنا في الحياة
بنار الأسى
ونَكْسَبَ مِنْ عَثَراتِ الطَّريقِ
قُوًى لا تُهدُّ بدأْبِ الصُّعودْ
ومجداً يكون لنا في الخلود
أَكاليلَ من رائعاتِ الوُرودْ
خُلِقنا لنبلُغَ شأْوَ الكمالِ
وَنُصبح أهلاً لمجدِ الخُلُودْ
ولكنْ إِذا مَا لبسنا الخلودَ
ونِلنا كمالَ النُّفوسِ البعيدْ
فهلْ لا نَمَلُّ دَوَامَ البقاءِ
وهلْ لا نَوَدُّ كمالاً جديدْ
وكيف يكوننَّ هذا الكمالُ
وماذا تُراهُ وكيفَ الحُدودْ
وإنَّ جمالَ الكمالِ الطُّموحُ
وما دامَ فكراً يُرَى من بعيدْ
فما سِحْرُهُ إنْ غدا واقعاً
يُحَسُّ وأَصبحَ شيئاً شهيدْ
وهلْ ينطفي في النُّفوسِ الحنينُ
وتُصبحُ أَشواقُنا في خُمودْ
فلا تطمحُ النَّفْسُ فوقَ الكمالِ
وفوقَ الخلودِ لبعضِ المزيدْ
إِذا لم يَزُل شوقُها في الخلودِ
فذلك لعَمْري شقاءُ الجُدودْ
وحربٌ ضروسٌ كما قَدْ عهدنُ
ونَصْرٌ وكسرٌ وهمٌّ مديدْ
وإنْ زالَ عنها فذاكَ الفناءُ
وإنْ كان في عَرَصَاتِ الخُلودْ

للهِ مَا أَحْلى الطُّفولَةَ
إنَّها حلمُ الحياةْ
عهدٌ كَمَعْسولِ الرُّؤَى
مَا بينَ أجنحَةِ السُّبَاتْ
ترنو إلى الدُّنيا
ومَا فيها بعينٍ باسِمَهْ
وتَسيرُ في عَدَواتِ وَادِيها
بنَفْسٍ حَالمهْ
إنَّ الطّفولةَ تهتَزُّ
في قَلْبِ الرَّبيعْ
ريَّانةٌ مِنْ رَيِّقِ الأَنْداءِ
في الفَجْرِ الوَديعْ
غنَّت لها الدُّنيا
أَغاني حبِّها وحُبُورِهَا
فَتَأَوَّدَتْ نَشوى بأَحلامِ
الحَياةِ وَنُورِهَا
إنَّ الطُّفولَةَ حِقْبَةً
شعريَّةٌ بشُعُورِها
وَدُمُوعِها وسُرُورِها
وَطُمُوحِهَا وغُرُورِها
لمْ تمشِ في دنيا الكآبَةِ
والتَّعاسَةِ والعَذابْ
فترى على أضوائِها مَا في
الحَقيقَةِ مِنْ كِذَابْ

القلب الحكيم 09-10-18 02:01 PM

رد: أبو القاسم الشابي
 
يَا شِعْرُ أَنْتَ فَمُ الشُّعُورِ
وصَرْخَةُ الرُّوحِ الكَئيبْ
يَا شِعْرُ أَنْتَ صَدَى نحيبِ
القَلْبِ والصَّبِّ الغَرِيبْ
يَا شِعْرُ أَنْتَ مَدَامعٌ
عَلِقَتْ بأَهْدَابِ الحَيَاةْ
يَا شِعْرُ أَنْتَ دَمٌ
تَفَجَّرَ مِنْ كُلُومِ الكائِناتِ
يَا شِعْرُ قَلْبي مِثْلما
تدري شَقِيٌّ مُظْلَمُ
فِيهِ الجِراحُ النُّجْلُ يَقْطُرُ
مِنْ مَغَاوِرِها الدَّمُ
جَمَدَتْ على شَفَتَيهِ
أَرْزاءُ الحَياةِ العَابِسهْ
فهوَ التَّعيسُ يُذيبُهُ
نَوْحُ القُلُوبِ البَائِسَهْ
أبداً يَنوحُ بحُرْقَةٍ
بَيْنَ الأَماني الهَاوِيهْ
كالبُلْبُلِ الغِرِّيدِ ما
بَيْنَ الزُّهورِ الذَّاوِيهْ
كمْ قَدْ نَضَحْتُ لهُ بأنْ
يَسْلو وكَمْ عَزَّيْتُهُ
فأَبى وما أصغَى إلى
قَوْلي فما أجْديتُهُ
كَمْ قلتُ صبراً يا فُؤادُ
أَلا تَكُفُّ عنِ النَّحِيبْ
فإذا تَجَلَّدَتِ الحِياةُ
تبدَّدَتْ شُعَلُ اللَّهيبْ
يَا قَلْبُ لا تجزعْ أمامَ
تَصَلُّبِ الدَّهرِ الهَصُورْ
فإذا صَرَخْتَ توجُّعاً
هَزَأَتْ بصَرْخَتِكَ الدُّهُورْ
يَا قَلْبُ لا تَسْخُطْ على
الأيَّامِ فالزَّهْرُ البَديعْ
يُصْغي لضَجَّاتِ العَوَاصِفِ
قَبْلَ أَنغامِ الرَّبيعْ
يَا قَلْبُ لا تَقْنَعْ بشَوْكِ
اليَأْسِ مِنْ بينِ الزُّهُورْ
فَوَراءَ أَوْجاعِ الحَياةِ
عُذُوبَةُ الأَملِ الجَسُورْ
يَا قَلْبُ لا تَسْكُبْ دُمُوعكَ
بالفَضَاءِ فَتَنْدَمِ
فعَلَى ابتساماتِ الفَضَاءِ
قَسَاوَةُ المُتَهَكِّمِ
لكِنَّ قَلْبي وهوَ
مُخْضَلُّ الجوانبِ بالدُّمُوعْ
جَاشَتْ بهِ الأَحْزانُ إذْ
طَفَحَتْ بِها تِلْكَ الصُّدوعْ
يَبْكي على الحُلْمِ البَعيدِ
بلَوْعَةٍ لا تَنْجَلي
غَرِداً كَصَدَّاحِ الهَوَاتِفِ
في الفَلا ويَقُول لي
طَهِّرْ كُلُومَكَ بالدُّمُوع
وخَلِّها وسَبِيلَهَا
إنَّ المَدامِعَ لا تَضِيعُ
حَقيرَهَا وجَليلَهَا
فَمِنَ المَدَامِعِ ما تَدَفَّعَ
جارِفاً حَسَكَ الحَياهْ
يرْمِي لِهاوِيَةِ الوُجُودِ
بكلِّ ما يبني الطُّغاهْ
ومنَ المَدَامِعِ ما تأَلَّقَ
في الغَيَاهِبِ كالنُّجُومْ
ومنَ المَدَامِعِ ما أَراحَ
النَّفْسَ مِنْ عبءِ الهُمُومْ
فارْحَمْ تَعَاسَتَهُ ونُحْ
مَعَهُ على أَحْلامِهِ
فلَقَدْ قَضَى الحُلْمُ البَديعُ
عَلى لَظَى آلامِهِ
يَا شِعْرُ يا وحْيَ الوُجود
الحيِّ يا لُغَةَ المَلايِكْ
غَرِّدْ فأَيَّامي أنا تبْكِي
عَلى إيقَاعِ نايكْ
رَدِّدْ على سَمْعِ الدُّجَى
أَنَّاتِ قَلْبي الواهِيَهْ
واسْكُبْ بأَجْفانِ الزُّهورِ
دُمُوعَ قلبي الدَّاميهْ
فلَعَلَّ قَلْبَ اللَّيل
أَرْحَمُ بالقُلُوبِ البَاكيهْ
ولَعَلَّ جَفْنَ الزهرِ
أَحْفَظُ للدُّمُوعِ الجَاريهْ
كمْ حَرَّكَتْ كفُّ الأَسى
أَوْتارَ ذَيَّاكَ الحَنينْ
فَتَهَامَلَتْ أَحْزانُ قلبي
في أَغاريدِ الأَنِينْ
فَلَكَمْ أَرَقْتُ مَدَامِعِي
حتَّى تَقَرَّحَتِ الجُفُونْ
ثمَّ التَفَتُّ فَلَمْ أجدْ
قلباً يُقاسِمُني الشُّجُونْ
فَعَسَى يَكونُ اللَّيلُ أَرْحَمُ
فهوَ مِثْلِي يندُبُ
وعَسَى يَصونُ الزَّهْرُ دَمْعِي
فهوَ مِثْلِي يَسكُبُ
قدْ قَنَّعَتْ كَفُّ المَساءِ
الموتَ بالصَّمْتِ الرَّهيبْ
فَغَدا كأَعْماقِ الكُهُوفِ
بِلا ضَجيجٍ أَو وَجِيبْ
يَأتي بأَجْنِحَةِ السُّكُونِ
كأنَّهُ اللَّيلُ البَهيمْ
لكنَّ طَيْفُ الموتِ قاسٍ
والدُّجى طَيفٌ رَحيمْ
ما للمَنِيَّةِ لا تَرِقُّ
على الحَياةِ النَّائِحَهْ
سِيَّانِ أَفئدةٌ تَئِنُّ
أَوِ القُلُوبُ الصَّادِحَهْ
يَا شِعْرُ هلْ خُلِقَ المَنونُ
بلا شعورٍ كالجَمَادْ
لا رَعْشَةٌ تَعْرُو يديْهِ
إِذا تملَّقَهُ الفُؤَادْ
أَرأَيْتَ أَزْهارَ الرَّبيعِ
وقدْ ذَوَتْ أَوراقُها
فَهَوتْ إلى صَدْرِ التُّرابِ
وقدْ قَضَتْ أَشْواقُهَا
أَرأَيْتَ شُحْرورَ الفَلا
مُتَرَنِّماً بَيْنَ الغُصُونْ
جَمَدَ النَّشيدُ بصَدْرِهِ
لمَّا رأَى طَيْفَ المَنُونْ
فَقَضَى وقدْ غَاضَتْ
أَغاريدُ الحَياةِ الطَّاهِرَهْ
وهَوَى منَ الأَغْصانِ
ما بَيْنَ الزُّهورِ البَاسِرَهْ
أَرأَيْتَ أُمّ الطِّفْلِ تَبْكي
ذلكَ الطِّفْلَ الوَحيدْ
لمَّا تَنَاوَلَهُ بعُنْفٍ
ساعِدُ المَوتِ الشَّديدْ
أَسَمِعْتَ نَوْحَ العاشِقِ الوَلْهانِ
مَا بَيْنَ القُبُورْ
يَبْكي حَبيبَتَهُ فيا
لِمَصَارعِ الموتِ الجَسُورْ
طَفَحَتْ بأَعْماقِ الوُجُودِ
سَكِينَةُ الصَّبْرِ الجَلِيدْ
لمَّا رأَى عَدْلَ الحَياةِ
يَضُمُّهُ اللَّحْدُ الكَنُودْ
فَتَدَفَّقَتْ لَحْناً يُرَدِّدُهُ
على سَمْعِ الدُّهُورْ
صَوتُ الحياةِ بضَجَّةٍ
تَسْعَى على شَفَةِ البُحُورْ
يا شِعْرُ أَنْتَ نَشيدُ
أَمْواجِ الخِضَمِّ السَّاحِرَهْ
النَّاصِعاتِ الباسِماتِ
الرَّاقِصاتِ الطَّاهِرَهْ
السَّافِراتِ الصَّادِحاتِ
معَ الحياةِ إلى الأبدْ
كَعَرائسِ الأَمَلِ الضَّحُوكِ
يَمِسْنَ ما طالَ الأَمَدْ
ها إنَّ أَزْهارَ الرَّبيعِ
تَبَسَّمَتْ أَكمامُها
تَرنُو إلى الشَّفقِ البَعيدِ
تغُرُّها أَحْلامُها
في صَدْرِها أملٌ
يحدِّقُ نحوَ هاتيك النُّجومْ
لكنَّه أملٌ سَتُلْحِدُه
جَبَابرةُ الوُجُومْ
فَلَسَوْفَ تُغْمِضُ جَفْنَهَا
عنْ كلِّ أَضواءِ الحياةْ
حيثُ الظَّلامُ مخَيِّمٌ
في جوِّ ذَيَّاكَ السُّبَاتْ
ها إنَّها هَمَسَتْ
بِآذانِ الحياةِ غَرِيدَهَا
قَتَلَتْ عَصافيرُ الصَّبَاحِ
صُداحَهَا ونَشِيدَهَا
يَا شِعْرُ أَنْتَ نَشِيدُ
هاتيكَ الزُّهُورِ الباسِمَهْ
يا لَيْتَني مِثْلُ الزُّهُورِ
بلا حَياةٍ واجِمهْ
إنَّ الحَياةَ كئيبةٌ
مَغْمورةٌ بِدُمُوعِها
والشَّمسُ أضْجَرَها الأَسى
في صَحْوِها وهُجُوعِهَا
فَتَجَرَّعَتْ كَأساً دِهاقاً
مِنْ مُشَعْشَعَةِ الشَّفَقْ
فَتَمَايَلَتْ سَكْرَى إلى
كَهْفِ الحَياةِ ولَمْ تُفِقْ
يَا شِعْرُ أَنْتَ نَحيبُها
لمَّا هَوَتْ لسُباتِها
يَا شِعْرُ أَنْتَ صُدَاحُها
في مَوْتِها وحَيَاتِها
انْظُرْ إلى شَفَقِ السَّماءِ
يَفيضُ عَنْ تِلْكَ الجِبَالْ
بشُعَاعِهِ الخَلاّبِ يَغْمُرُها
بِبَسْماتِ الجَمَالْ
فَيُثِيرُ في النَّفْسِ الكَئيبةِ
عَاصِفاً لا يَرْكُدُ
ويُؤَجِّجُ القلبَ المُعَذَّبَ
شُعْلَةً لا تَخْمُدُ
يَا شِعْرُ أنتَ جمالُ
أَضْواءِ الغُرُوبِ السَّاحِرَهْ
يا هَمْسَ أَمْواجِ المَسَاءِ
البَاسِماتِ الحَائرَهْ
يا نَايَ أَحْلامِي الحَبيبةِ
يا رَفيقَ صَبَابَتِي
لولاكَ مُتُّ بلَوْعَتِي
وبِشَقْوَتي وكَآبَتِي
فيكَ انْطَوَتْ نَفْسي وفيكَ
نَفَخْتُ كلَّ مَشَاعِرِي
فاصْدَحْ على قِمَمِ الحَياةِ
بِلَوْعَتي يا طَائِرِي

لَيْتَ شِعْرِي
أَيُّ طَيْرْ
يَسْمَعُ الأَحْزانَ تَبْكي
بَيْنَ أَعْماقِ القُلُوبْ
ثمَّ لا يَهْتِفُ في الفَجْرِ
برَنَّاتِ النَّحِيبْ
بخُشُوعٍ واكتِئَابْ
لَسْتُ لأدري
أَيُّ أَمْرْ
أَخْرَسَ العُصْفورُ عنِّي
أَتُرى ماتَ الشُّعُورْ
في جَميعِ الكَوْنِ حتَّى
في حُشَاشَاتِ الطُّيورْ
أَمْ بَكَى خَلْفَ السَّحَابْ
في الدَّيَاجِي
كَمْ أُنَاجِي
مَسْمَعَ القَبْرِ بغَصَّاتِ
نَحِيبي وشُجُوني
ثُمَّ أُصْغِي عَلَّنِي
أُسمعُ ترديدَ أَنِيني
فأَرَى صَوْتِي فَريدْ
فأُنَادي
يا فُؤَادي
ماتَ مَنْ تَهْوَى وهذا
اللَّحْدُ قَدْ ضمَّ الحَبيبْ
فَابْكِ يا قلبُ بما فيكَ
مِنَ الحُزْنِ المُذِيبْ
إبكِ يا قَلْبُ وَحِيدْ
ذُلَّ قَلْبي
مَاتَ حُبِّي
فَاذْرُفي يا مُقْلَةَ اللَّيلِ
الدَّراري عَبَرَاتْ
حَوْلَ حِبِّي فهوَ قدْ
وَدَّعَ آفَاقَ الحَيَاة
بَعْدَ أَنْ ذَاقَ اللَّهيبْ
وَانْدُبيهْ
وَاغْسِليهْ
بِدُمُوعِ الفَجْرِ مِنْ
أَكوابِ زَهْرِ الزَّنْبَقِ
وَادْفُنِيهِ بجَلالٍ في
ضِفَافِ الشَّفَقِ
لِيَرى رُوحَ الحَبيبْ

تَرجو السَّعادَةَ يا قلبي ولو وُجِدَتْ
في الكونِ لم يشتعلْ حُزْنٌ ولا أَلَمُ
ولا استحالتْ حياةُ النَّاسِ أجمعُها
وزُلزلتْ هاتِهِ الأَكوانُ والنُّظمُ
فما السَّعادة في الدُّنيا سِوَى حُلُمٍ
ناءٍ تُضَحِّي له أَيَّامَها الأُمَمُ
ناجتْ به النَّاسَ أَوهامٌ مُعَرْبِدةً
لمَّا تَغَشَّتْهُمُ الأَحلامُ والظُّلَمُ
فَهَبَّ كلٌّ يُناديهِ ويَنْشُدُهُ
كأَنَّما النَّاسُ مَا ناموا ولا حلمُوا
خُذِ الحَيَاةَ كما جاءتْكَ مبتسماً
في كفِّها الغارُ أَو في كفِّها العَدَمُ
وارقصْ على الوردِ والأَشواكِ متَّئِداً
غنَّتْ لكَ الطَّيرُ أَو غنَّتْ لكَ الرُّجُمُ
واعملْ كما تأمُرُ الدُّنيا بلا مَضَضٍ
والجمْ شُعوركَ فيها إنَّها صَنَمُ
فمنْ تأَلَّمَ لمْ تُرْحَمْ مَضَاضَتَهُ
ومنْ تجلَّدَ لم تهزأ بهِ القِمَمُ
هذي سعادَةُ دُنيانا فكنْ رجلاً
إنْ شئْتَها أَبَدَ الآباد يَبْتَسِمُ
وإنْ أَردتَ قضاءَ العيشِ في دَعَةٍ
شعريَّةٍ لا يُغَشِّي صَفْوَها نَدَمُ
فاتركْ إلى النَّاسِ دُنياهُمْ وضَجَّتَهُمْ
وما بنوا لنِظامِ العيشِ أَو رَسَموا
واجعلْ حياتَكَ دوحاً مُزْهراً نَضِراً
في عُزْلَةِ الغابِ ينمو ثمَّ ينعدمُ
واجعلْ لياليكَ أَحلاماً مُغَرِّدَةً
إنَّ الحَيَاةَ وما تدوي به حُلُمُ

ليتَ لي أنْ أعيشَ في هذه الدُّنيا
سَعيداً بِوَحْدتي وانفرادي
أصرِفُ العُمْرَ في الجبالِ وفي الغاباتِ
بَيْنَ الصّنوبرِ الميَّادِ
لَيْسَ لي من شواغلِ العيشِ مَا يصرف
نَفْسي عنِ استماع فؤادي
أرْقُبُ الموتَ والحياةَ وأصغي
لحديثِ الآزالِ والآبادِ
وأغنِّي مع البلابلِ في الغابِ
وأُصْغي إلى خريرِ الوادي
وأُناجي النُّجومَ والفجرَ والأطيارَ
والنَّهرَ والضّياءَ الهادي
عيشةً للجمال والفنّ أبغيها
بعيداً عنْ أمَّتي وبلادي
لا أُعَنِّي نفسي بأحْزانِ شعبي
فَهْوَ حيٌّ يعيش عيشَ الجمادِ
وبحسبي من الأسى مَا بنفسي
من طَريفٍ مسْتَحْدَثٍ وتَلاد
وبعيداً عن المَدينةِ والنّاسِ
بعيداً عن لَغْوِ تِلْكَ النّوادي
فهوَ من مَعْدَنِ السَّخافةِ والإفْكِ
ومن ذلك الهُراء العادي
أينَ هوَ من خريرِ ساقية الوادي
وخفْقِ الصَّدى وشدوِ الشَّادي
وحفيفِ الغصونِ نمَّقها الطَّلُّ
وهَمْسِ النَّسيمِ للأولادِ
هذه عيشةٌ تقدِّسُها نفسي
وأدعو لمجدها وأنادي

ينقَضي العَيْشُ بَيْنَ شَوْقٍ ويأْسِ
والمُنَى بَيْنَ لَوْعَةٍ وتَأَسِّ
هذِهِ سُنَّةُ الحَيَاةِ ونَفْسي
لا تَوَدُّ الرَّحيقَ في كأسِ رِجْسِ
مُلِئَ الدَّهْرُ بالخداعِ فكمْ قَدْ
ضَلَّلَ النَّاسَ مِنْ لإمامٍ وقسِّ
كلَّما أَسأَلُ الحَيَاةَ عن الحقِّ
تَكُفُّ الحَيَاةُ عن كلِّ هَمْسِ
لمْ أجدْ في الحَيَاةِ لحناً بديعاً
يَسْتَبيني سِوى سَكينَةِ نَفْسي
فَسَئِمْتُ الحياةَ إلاَّ غِراراً
تتلاشى بهِ أَناشيدُ يَأْسي
ناولتني الحَيَاةُ كأساً دِهاقاً
بالأَماني فما تناولْتُ كأْسي
وسَقَتْني من التَّعاسَةِ أَكْواباً
تَجَرَّعْتُها فيَا شدَّ تَعْسي
إنَّ في روضَةِ الحَيَاةِ لأَشْواكاً
بها مُزِّقَتْ زَنابِقُ نفسي
ضاعَ أَمسي وأَينَ منِّي أَمسي
وقَضَى الدَّهْرُ أَنْ أَعيشَ بيَأْسي
وقَضَى الحبُّ في سُكونٍ مُريعٍ
ساعَةَ الموتِ بَيْنَ سُخْطٍ وبُؤْسِ
لمْ تُخَلِّفْ ليَ الحَيَاةُ من الأَمسِ
سِوى لوعَةٍ تَهُبُّ وتُرْسي
تَتَهادَى مَا بَيْنَ غَصَّاتِ قلبي
بسُكُونٍ وبينَ أَوجاعِ نَفْسي
كَخيالٍ من عالَمِ الموتِ يَنْسابُ
بصَمْتٍ مَا بَيْنَ رَمْسٍ وَرَمْسِ
تِلْكَ أَوجاعُ مهجةٍ عَذَّبتها
في جحيمِ الحَيَاةِ أَطْيَافُ نَحْسِ

لا يَنْهَضُ الشَّعبُ إلاَّ حينَ يَدْفَعُهُ
عَزْمُ الحَيَاةِ إِذا مَا اسْتَيْقَظَتْ فيهِ
والحَبُّ يخترِقُ الغَبْراءَ مُنْدَفِعاً
إلى السَّماءِ إِذا هَبَّتْ تُناديهِ
والقَيْدُ يأْلَفُهُ الأَمْواتُ مَا لَبِثُوا
أَمَّا الحَيَاةُ فيُبْلِيها وتُبْليهِ

كنَّا كَزَوْجَيْ طائرٍ
في دَوْحَةِ الحُبِّ الأَمينْ
نَتْلو أَناشيدَ المنى
بَيْنَ الخمائلِ والغُصُونْ
مُتَغَرِّدينَ مع البَلابلِ
في السُّهولِ وفي الحزونْ
مَلأَ الهَوَى كأْسَ الحَيَاةِ لنا
وشَعْشَعَها الفُتونْ
حتَّى إِذا كِدْنا نُرَشِّفَ
خَمْرَها غَضِبَ المَنُونْ
فَتَخَطَّفَ الكأسَ الخلوبَ
وحطَّمَ الجامَ الثَّمينْ
وأَراقَ خَمْرَ الحُبِّ
في وادي الكآبَةِ والأَنينْ
وأَهابَ بالحُبِّ الوديعِ
فودَّعَ العُشَّ الأَمينْ
وشدَا بلحنِ الموتِ
في الأُفُق الحزينِ المُسْتَكينْ
ثمَّ اختفى خَلْفَ الغُيومِ
كأَنَّهُ الطَّيفُ الحَزينْ
يا أَيُّها القلبُ الشَّجيُّ
إلامَ تُخْرِسُكَ الشُّجونْ
رُحْماكَ قَدْ عَذَّبْتَني بالصَّمتِ
والدَّمعِ الهَتُونْ
ماتَ الحَبيبُ وكلُّ مَا قَدْ
كُنْتَ ترجو أَن يكونْ
فاصْبِرْ على سُخْطِ الزَّمانِ
وما تُصَرِّفُهُ الشُّؤُونْ
فلَسَوْفَ يُنْقِذُكَ المَنُونُ
ويفرحُ الرُّوحُ السَّجينْ
وردُ الحَيَاةِ مُرَنَّقٌ
والموتُ مَوْرِدُهُ مَعينْ
ولرُبَّما شاقَ الرَّدى الدَّاجي
وأعماقُ المنونْ
قلباً تُرَوِّعُهُ الحَيَاةُ
ولا تُهادِنُهُ السُّنُونْ
ومَشَاعِراً حَسْرى يسيرُ بها
القُنُوطُ إلى الجُنونْ

عِشْ بالشُّعورِ وللشُّعورِ فإنَّما
دُنْياكَ كونُ عواطفٍ وشعورِ
شِيدَتْ على العَطْفِ العميقِ وإنَّها
لَتَجِفُّ لو شِيدَتْ على التَّفْكيرِ
وتَظَلُّ جامِدَةَ الجمالِ كئيبةً
كالهيكلِ المتهدِّم المهجورِ
وتَظَلُّ قاسيَةَ الملامِحِ جهْمةً
كالموتِ مُقْفِرَةً بغيرِ سُرورِ
لا الحُبُّ يرقُصُ فوقها متغنِّياً
للنَّاس بَيْنَ جداولٍ وزُهورِ
مُتَوَرِّدَ الوجناتِ سَكرانَ الخطى
يهتزُّ من مَرَحٍ وفَرْطِ حُبورِ
متكلِّلاً بالورْدِ ينثرُ للورى
أَوراقَ وردِ اللَّذّةِ المنضُورِ
كلاّ ولا الفنُّ الجميلُ بظاهرٍ
في الكونِ تحتَ غَمامةٍ من نُورِ
متَوشِّحاً بالسِّحْرِ ينفُخُ نايَهُ
المشبوبَ بَيْنَ خمائلٍ وغديرِ
أَو يلمسُ العودَ المقدَّسَ واصفاً
للموت للأَيَّامِ للدَّيجورِ
مَا في الحَيَاةِ من المسرَّةِ والأَسى
والسِّحْر واللَّذّاتِ والتغريرِ
أَبداً ولا الأَملُ المجنَّحُ منْشِداً
فيها بصوتِ الحالمِ المَحْبُورِ
تِلْكَ الأَناشيدَ التي تَهَبُ الوَرَى
عزْمَ الشَّبابِ وغِبْطَةَ العُصفورِ
واجعل شُعورَكَ في الطَّبيعَةِ قائداً
فهوَ الخبيرُ بتيهِهَا المَسْحُورِ
صَحِبَ الحياةَ صغيرةً ومشى بها
بَيْنَ الجماجمِ والدَّمِ المَهْدورِ
وعَدَا بها فوقَ الشَّواهِقِ باسماً
متغنِّياً مِنْ أَعْصُرِ ودُهورِ
والعقلُ رغْمَ مشيبهِ ووقَارِهِ
مَا زالَ في الأَيَّامِ جِدّ صغيرِ
يمشي فَتَضْرَعُهُ الرِّياحُ فيَنْثَني
متَوَجِّعاً كالطَّائرِ المكسورِ
ويظلُّ يسأَلُ نفسه متفلسفاً
متَنَطِّساً في خفَّةٍ وغُرورِ
عمَّا تحجِّبُهُ الكَواكبُ خلفَها
مِنْ سِرِّ هذا العالَم المستورِ
وهو المهشَّمُ بالعواصفِ يا لهُ
مِنْ ساذجٍ متفلسفٍ مغرورِ
وافتحْ فؤادكَ للوجودِ وخَلِّهِ
لليَمِّ للأَمواجِ للدَّيجورِ
للثَّلجِ تنثُرُهُ الزَّوابعُ للأسى
للهَوْلِ للآلامِ للمقدورِ
واتركْهُ يقتحِمُ العواصفَ هائماً
في أُفْقِها المتلبِّدِ المقرورِ
ويخوضُ أَحشاءَ الوُجُود مُغامِراً
في ليلها المتهيِّبِ المحذورِ
حتَّى تُعانِقَهُ الحَيَاةُ ويرتوي
من ثَغْرِها المتأجِّج المَسْجُورِ
فتعيشَ في الدُّنيا بقلبٍ زاخرٍ
يقظِ المشاعرِ حالمٍ مسحورِ
في نشوةٍ صوفيَّةٍ قُدُسيَّةٍ
هي خيرُ مَا في العالِمِ المنظورِ

إِذا الشَّعْبُ يوماً أرادَ الحياةَ
فلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القدرْ
ولا بُدَّ للَّيْلِ أنْ ينجلي
ولا بُدَّ للقيدِ أن يَنْكَسِرْ
ومَن لم يعانقْهُ شَوْقُ الحياةِ
تَبَخَّرَ في جَوِّها واندَثَرْ
فويلٌ لمَنْ لم تَشُقْهُ الحياةُ
من صَفْعَةِ العَدَمِ المنتصرْ
كذلك قالتْ ليَ الكائناتُ
وحدَّثَني روحُها المُستَتِرْ
ودَمْدَمَتِ الرِّيحُ بَيْنَ الفِجاجِ
وفوقَ الجبالِ وتحتَ الشَّجرْ
إِذا مَا طَمحْتُ إلى غايةٍ
رَكِبتُ المنى ونَسيتُ الحَذرْ
ولم أتجنَّبْ وُعورَ الشِّعابِ
ولا كُبَّةَ اللَّهَبِ المُستَعِرْ
ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِ
يَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفَرْ
فَعَجَّتْ بقلبي دماءُ الشَّبابِ
وضجَّت بصدري رياحٌ أُخَرْ
وأطرقتُ أُصغي لقصفِ الرُّعودِ
وعزفِ الرّياحِ وَوَقْعِ المَطَرْ
وقالتْ ليَ الأَرضُ لما سألتُ
أيا أمُّ هل تكرهينَ البَشَرْ
أُباركُ في النَّاسِ أهلَ الطُّموحِ
ومَن يَسْتَلِذُّ ركوبَ الخطرْ
وأَلعنُ مَنْ لا يماشي الزَّمانَ
ويقنعُ بالعيشِ عيشِ الحجرْ
هو الكونُ حيٌّ يحبُّ الحَيَاةَ
ويحتقرُ الميْتَ مهما كَبُرْ
فلا الأُفقُ يَحْضُنُ ميتَ الطُّيورِ
ولا النَّحْلُ يلثِمُ ميْتَ الزَّهَرْ
ولولا أُمومَةُ قلبي الرَّؤومُ لمَا
ضمَّتِ الميْتَ تِلْكَ الحُفَرْ
فويلٌ لمنْ لم تَشُقْهُ الحَيَاةُ
منْ لعنةِ العَدَمِ المنتصرْ
وفي ليلةٍ مِنْ ليالي الخريفِ
متقَّلةٍ بالأَسى والضَّجَرْ
سَكرتُ بها مِنْ ضياءِ النُّجومِ
وغنَّيْتُ للحُزْنِ حتَّى سَكِرْ
سألتُ الدُّجى هل تُعيدُ الحَيَاةُ
لما أذبلته ربيعَ العُمُرْ
فلم تَتَكَلَّمْ شِفاهُ الظَّلامِ ولمْ
تترنَّمْ عَذارَى السَّحَرْ
وقال ليَ الغابُ في رقَّةٍ
محبَّبَةٍ مثلَ خفْقِ الوترْ
يجيءُ الشِّتاءُ شتاءُ الضَّبابِ
شتاءُ الثّلوجِ شتاءُ المطرْ
فينطفئُ السِّحْرُ سحرُ الغُصونِ
وسحرُ الزُّهورِ وسحرُ الثَّمَرْ
وسحْرُ السَّماءِ الشَّجيّ الوديعُ
وسحْرُ المروجِ الشهيّ العَطِرْ
وتهوي الغُصونُ وأوراقُها
وأَزهارُ عهدٍ حبيبٍ نَضِرْ
وتلهو بها الرِّيحُ في كلِّ وادٍ
ويدفنها السَّيلُ أَنَّى عَبَرْ
ويفنى الجميعُ كحلْمٍ بديعٍ
تأَلَّقَ في مهجةٍ واندَثَرْ
وتبقَى البُذورُ التي حُمِّلَتْ
ذخيرَةَ عُمْرٍ جميلٍ غَبَرْ
وذكرى فصولٍ ورؤيا حَياةٍ
وأَشباحَ دنيا تلاشتْ زُمَرْ
معانِقَةً وهي تحتَ الضَّبابِ
وتحتَ الثُّلوجِ وتحتَ المَدَرْ
لِطَيْفِ الحَيَاة الَّذي لا يُملُّ
وقلبُ الرَّبيعِ الشذيِّ الخضِرْ
وحالِمةً بأغاني الطُّيورِ
وعِطْرِ الزُّهورِ وطَعْمِ الثَّمَرْ
ويمشي الزَّمانُ فتنمو صروفٌ
وتذوي صروفٌ وتحيا أُخَرْ
وتَصبِحُ أَحلامَها يقْظةً
موَشَّحةً بغموضِ السَّحَرْ
تُسائِلُ أَيْنَ ضَبابُ الصَّباحِ
وسِحْرُ المساءِ وضوءُ القَمَرْ
وأَسرابُ ذاكَ الفَراشِ الأَنيقِ
ونَحْلٌ يُغنِّي وغيمٌ يَمُرْ
وأَينَ الأَشعَّةُ والكائناتُ
وأَينَ الحَيَاةُ التي أَنْتَظِرْ
ظمِئْتُ إلى النُّورِ فوقَ الغصونِ
ظمِئْتُ إلى الظِّلِّ تحتَ الشَّجَرْ
ظمِئْتُ إلى النَّبْعِ بَيْنَ المروج
يغنِّي ويرقصُ فوقَ الزَّهَرْ
ظمِئْتُ إلى نَغَماتِ الطُّيورِ
وهَمْسِ النَّسيمِ ولحنِ المَطَرْ
ظمِئْتُ إلى الكونِ أَيْنَ الوجودُ
وأَنَّى أَرى العالَمَ المنتظَرْ
هُو الكونُ خلف سُبَاتِ الجُمودِ
وفي أُفقِ اليَقظاتِ الكُبَرْ
وما هو إلاَّ كَخَفْقِ الجناحِ
حتَّى نما شوقُها وانتصَرْ
فصدَّعَتِ الأَرضُ من فوقها
وأَبْصرتِ الكونَ عذبَ الصُّوَرْ
وجاءَ الرَّبيعُ بأَنغامهِ
وأَحلامِهِ وصِباهُ العَطِرْ
وقبَّلها قُبَلاً في الشِّفاهِ
تُعيدُ الشَّبابَ الَّذي قدْ غَبَرْ
وقال لها قدْ مُنِحْتِ الحَيَاةَ
وخُلِّدْتِ في نَسْلِكِ المدَّخَرْ
وباركَكِ النُّورُ فاستقبلي
شَبابَ الحَيَاةِ وخصْبَ العُمُرْ
ومن تَعْبُدُ النُّورَ أَحلامهُ
يُبارِكُهُ النُّورُ أَنَّى ظَهَرْ
إليكِ الفضاءَ إليكِ الضِّياءَ
إليكِ الثَّرى الحالمَ المزدهر
إليكِ الجمالُ الَّذي لا يَبيدُ
إليكِ الوُجُودَ الرَّحيبَ النَّضِرْ
فميدي كما شئتِ فوقَ الحقولِ
بحُلْوِ الثِّمارِ وغضِّ الزَّهَرْ
وناجي النَّسيمَ وناجي الغيومَ
وناجي النُّجومَ وناجي القَمَرْ
وناجي الحياة وأشواقها
وضنة هذا الوجود الأغر
وشفَّ الدُّجى عن جمالٍ عميقٍ
يُشِبُّ الخيالَ ويُذكي الفِكَرْ
ومُدَّ على الكونِ سحرٌ غريبٌ
يصرّفُهُ ساحرٌ مقتدِرْ
وضاءَتْ شموعُ النُّجُومِ الوِضَاءِ
وضاعَ البَخُورُ بَخُورُ الزَّهَرْ
ورَفْرَفَ روحٌ غريبُ الجمال
بأَجنحةٍ من ضياءِ القَمَرْ
وَرَنَّ نشيدُ الحَيَاةِ المقدَّس
في هيكلٍ حالِمٍ قدْ سُحِرْ
وأُعْلِنَ في الكونِ أنَّ الطّموحَ
لهيبُ الحَيَاةِ ورُوحُ الظَّفَرْ
إِذا طَمَحَتْ للحَياةِ النُّفوسُ
فلا بُدَّ أنْ يستجيبَ القَدَرْ

القلب الحكيم 09-10-18 02:02 PM

رد: أبو القاسم الشابي
 
كمْ مِنْ عُهودٍ عذبةٍ
في عَدْوَةِ الوادي النَّضيرِ
فِضِّيَّةِ الأَسْحارِ مُذْهبَةِ
الأَصائِلِ والبُكورْ
كانتْ أرقُّ من الزُّهورِ
ومِنْ أَغاريدِ الطُّيورْ
وأَلذَّ مِنْ سِحْرِ الصِّبا
في بَسْمَةِ الطِّفلِ الغَريرْ
قضَّيتُها ومعي الحبيبَةُ
لا رَقيبَ ولا نَذيرْ
إلاَّ الطُّفولَةَ حولنا تلهو
معَ الحُبِّ الصَّغيرْ
أَيَّامَ كانتْ للحياةِ
حلاوَةُ الرَّوضِ المَطيرْ
وطَهَارَةُ الموتِ الجميلِ
وسِحْرُ شَاطئهِ المُنيرْ
وَوَداعَةُ العُصفورِ بَيْنَ
جداولِ الماءِ النَّميرْ
أَيَّامَ لم نعْرِفْ منَ الدُّنيا
سوَى مَرَحِ السُّرورْ
وتَتَبُّعِ النَّحْلِ الأَنيقِ
وقَطْفِ تِيجانِ الزُّهورْ
وتَسَلُّقِ الجبلِ المُكَلَّلِ
بالصّنَوْبَرِ والصُّخورْ
وبناءِ أَكواخِ الطُّفولَةِ
تحتَ أَعشاشِ الطُّيورْ
مسقوفةً بالوَردِ والأَعْشابِ
والوَرَقِ النَّضيرْ
نبني فتهدمُها الرِّياحُ
فلا نضجُّ ولا نَثُورْ
ونعودُ نَضْحَكُ للمروجِ
وللزَّنابقِ والغَديرْ
ونخَاطبُ الأَصداءَ وهي
ترِفُّ في الوادي المُنيرْ
ونعيدُ أُغنيَةَ السَّواقي
وهي تَلْغو بالخَريرْ
ونَظَلُّ نَرْكُضُ خلفَ
أَسرابِ الفَراشِ المُسْتَطيرْ
ونمرُّ مَا بَيْنَ المُروجِ الخُضْرِ
في سكر الشُّعورْ
نشدو ونرقصُ كالبلابلِ
للحياةِ وللحُبورْ
ونَظَلُّ ننثُرُ للفضاءِ
الرَّحْبِ والنَّهرِ الكبيرْ
مَا في فؤاديْنا من
الأَحْلامِ أَو حُلْوُ الغرورْ
ونَشيدُ في الأُفُقِ المخَضَّبِ
مِنْ أَمانينا قُصورْ
أَزهى من الشَّفَقِ الجميل
ورونقِ المرْجِ الخَضيرْ
وأجلَّ من هذا الوُجُودِ
وكلِّ أَمجادِ الدُّهورْ
أبداً تُذلِّلُها الحَيَاةُ
بكلِّ أَنواعِ السُّرورْ
وتَبُثُّ فينا مِنْ مراحِ
الكونِ مَا يُغوي الوَقُورْ
فنسيرُ نَنْشُدُ لهوَنا المعبودَ
في كلِّ الأُمورْ
ونَظَلُّ نعبثُ بالجليلِ
منَ الوُجُودِ وبالحقيرْ
بالسَّائلِ الأَعمى وبالمعتوهِ
والشَّيخِ الكَبيرْ
بالقطَّةِ البيضاءِ
بالشَّاةِ الوديعَةِ بالحميرْ
بالعُشبِ بالفَنَن المنوِّرِ
بالسَّنابلِ بالسَّفيرْ
بالرَّمْلِ بالصَّخْرِ المحطَّمِ
بالجداول بالغديرْ
واللهوُ والعَبَثُ البريءُ
الحلوُ مطمحُنا الأَخيرْ
ونَظَلُّ نقفزُ أو نُثَرْثِرُ
أَو نغنِّي أَو نَدورْ
لا نَسْأَمُ اللَّهْوَ الجميلَ
وليس يُدْرِكُنا الفُتُورْ
فكأَنَّنا نحيا بأَعصابٍ
من المَرَحِ المُثيرْ
وكأنَّنا نمشي بأَقدامٍ
مجنَّحةٍ تَطيرْ
أَيَّامَ كنَّا لُبَّ هذا
الكونِ والباقي قُشُورْ
أَيَّامَ تفرشُ سُبْلَنا
الدُّنيا بأَوراقِ الزُّهُورْ
وتمرُّ أَيَّامَ الحَيَاةِ بنا
كأَسْرابِ الطُّيورْ
بيضاءَ لاعبةً مُغرِّدةً
مجنَّحةً بِنُورْ
وتُرفّرفُ الأَفراحُ فوقَ
رؤوسنا أَنَّى نَسيرْ
آهٍ توارى فَجْرِيَ القُدسيُّ
في ليلِ الدُّهُورْ
وفَنَى كما يَفنى النَّشيدُ
الحلوُ في صَمْتِ الأَثيرْ
أَوَّاهُ قدْ ضاعتْ عليَّ
سَعَادَةُ القلبِ الغَريرْ
وبقيتُ في وادي الزَّمانِ
الجهْمِ أَدأَبُ في المسيرْ
وأَدوسُ أَشواكَ الحَيَاةِ
بقلبيَ الدامي الكَسيرْ
وأَرى الأَباطيلَ الكثيرَةَ
والمآثمَ والشُّرورْ
وتَصَادُمَ الأَهواءِ بالأَهواءِ
في كلِّ الأُمورْ
ومذلّةَ الحقِّ الضَّعيفِ
وعِزَّةَ الظُّلْمِ القَديرْ
وأَرى ابنَ آدَمَ سائراً
في رجلَةِ العُمُرِ القَصيرْ
مَا بَيْنَ أَهوالِ الوُجُودِ
وتحتَ أَعباءِ الضَّميرْ
مُتَسَلِّقاً جَبَلَ الحَيَاةِ الوعْرِ
كالشَّيْخِ الضَّريرْ
دامي الأَكُفِّ مُمزَّقَ
الأَقدامِ مُغْبَرَّ الشُّعُورْ
مترنِّحَ الخطواتِ مَا
بَيْنَ المَزالقِ والصُّخورْ
هالتْهُ أَشْباحُ الظَّلامِ
وراعَهُ صوتُ القُبورْ
ودويُّ إِعْصارِ الأَسَى
والموتُ في تِلْكَ الوُعورْ
ماذا جنيتُ من الحَيَاةِ
ومن تجاريبِ الدُّهُورْ
غيرَ النَّدامَةِ والأَسى
واليأسِ والدَّمعِ الغَزيرْ
هذا حَصادي من حقولِ
العالَمِ الرَّحْبِ الخَطيرْ
هذا حَصادي كُلُّهُ في
يقظةِ العَهْدِ الأَخيرْ
قدْ كنتُ في زمنِ الطُّفولَةِ
والسَّذاجَةِ والطُّهورْ
أَحْيا كما تحيا البلابلُ
والجداولُ والزُّهورْ
لا نَحْفَلُ الدُّنيا تدور
بأَهلها أَو لا تَدورْ
واليومَ أحيا مُرْهَقَ
الأَعصابِ مَشْبُوبَ الشُّعُورْ
متأَجِّجَ الإِحْساسِ أحفلُ
بالعَظيمِ وبالحقيرْ
تمشي على قلبي الحَيَاةُ
ويزحَفُ الكونُ الكبيرْ
هذا مصيري يا بني
أُمِّي فما أَشقى المصيرْ

ياقلب !كم فبك من دنيا محجبة
كأنها حين يبدو فجرها(ارم)
ياقلب!كم فيك من كون،قد اتقدت
فيه الشموس وعاشت فوقه الأمم
ياقلب!كم فيك من أفق تنمقه
كواكب تتجلى،ثم تنعدم
ياقلب!كم فيك من قبر ،قد انطفأت
فيه الحياة،وضجت تحته الرمم
يا قلب!كم فيك من غاب ومن جبل
تدوي به الريح أو تسمو به القمم
يا قلب!كم فيك من كهف قد انبحست
منه الجداول تجري ما لها لجم
تمشي،فتحمل غصناَ مزهراَ نظراَ
أو وردة لم تشوه حسنها قدم
أو نحلة جرها التيار مندفعاَ
الي البحار،تغني فوقها الديم
أو طائراَ ساحراَ ميتاَ قد انفجرت
في مقلتيه جراح جمة ودم
يا قلب!انك كون مدهش عجب
ان يسأل التاس عن أفاقه يجموا
كأنك الأبد المجهول..، قد عجزت
عنك النهى، واكفهرت حولك الظلم
ياقلب! كم من مسرات وأخيلة
ولذة، يتحامى ظلها الألم
غنت لفجرك صوتاَ حالماَ،فرحاَ
نشوان ثم توارت،وانقضى النغم
وكم رأى ليلك الأشباح هائمةَ
مذعورة تتهاوى حولها الرجم
ورفرف الألم الدامي، بأجنحةِ
من اللهيب،وأن الحزن والندم
وكم مشت فوقك الدنيا بأجمعها
حتى توارت،وسار الموت والعدم
وشيدت حولك الأيام أبنيةَ من الأناشيد تبنى،ثم تنهدم
تمضي الحياة بماضيها،وحاضرها
وتذهب الشمس والشطآن والقمم
وأنت،أنت الخضم الرحب،لا فرح
يبقى على سطحك الطاغي،ولا ألم
ياقلب كم قد قد تمليت الحياة، وكم
رقصتها مرحاَ ما مسك السأم
وكم توشحت من ليل ومن شفق
ومن صباح توشي ذيله السدم
وكم نسجت من الأحلام أرديةَ
قد مزقتها الليالي، وهي تبتسم
وكم ضفرت أكاليلاَ موردةَ
طارت بها زعزع تدوي وتحتدم
وكم رسمت رسوماَ، لاتشابهها
هذي العوالم،والأحلام،والنظم
كـأنها ظلل الفردوس، حافلة
بالحور،ثم تلاشت واختفى الحلم
تبلو الحياة فتبليها وتخلعها
وتستجد حياةَ ما لها قدم
وأنت أنت شباب خالد،نضر
مثل الطبيعة:لا شيب ولا هرم

أنتِ كالزهرةِ الجميلةِ في الغابِ
ولكنْ مَا بَيْنَ شَوكٍ ودودِ
والرياحينُ تَحْسَبُ الحسَكَ الشِّرِّيرَ
والدُّودَ من صُنوفِ الورودِ
فَافْهِمي النَّاسَ إنَّما النَّاسُ خَلْقٌ
مُفْسِدٌ في الوجودِ غيرُ رشيدِ
والسَّعيدُ السَّعيدُ من عاشَ كاللَّيل
غريباً في أهلِ هذا الوجودِ
ودَعيهِمْ يَحْيَوْنَ في ظُلْمةِ الإثْمِ
وعيشي في طُهْرِكِ المحمودِ
كالملاك البريءِ كالوردة البيضاءِ
كالموجِ في الخِضَمِّ البَعيدِ
كأغاني الطُّيور كالشَّفَقِ السَّاحِرِ
كالكوكبِ البعيدِ السَّعيدِ
كَثُلوجِ الجبال يغمرُها النُّورُ
وتَسمو على غُبارِ الصَّعيدِ
أنتِ تحتَ السَّماءِ روحٌ جميلٌ
صاغَهُ الله من عَبيرِ الوُرودِ
وبنو الأرضِ كالقُرودِ وما أضْيَ
عَ عِطرَ الورودِ بَيْنَ القرودِ
أنتِ من ريشة الإله فلا تُلْقي
بفنِّ السّما لِجَهْلِ العبيدِ
أنتِ لم تُخْلَقي ليقْرُبَكِ النَّاسُ
ولكنْ لتُعْبَدي من بعيدِ

إنِّي أرى فأرى جموعاً جمَّةً
لكنَّها تحيا بِلا ألْبابِ
يَدْوي حوالَيْها الزَّمنُ كأنَّما
يدوي حوالَي جندلٍ وترابِ
وإذا استجابوا للزَّمانِ تَناكروا
وتَراشَقوا بالشَّوكِ والأحْصابِ
وقضوا على روحِ الأخُوَّةِ بينهمْ
جَهْلاً وعاشوا عيشةَ الأغرابِ
فرِحتْ بهم غولُ التّعاسةِ والفَنا
ومَطامِعُ السّلاَّبِ والغَلاَّبِ
لُعَبٌ تُحرِّكُها المَطامعُ واللّهى
وصَغائرُ الأحقادِ والآرابِ
وأرى نفوساً من دُخانٍ جامدٍ
مَيْتٍ كأشباح وراءَ ضَبابِ
مَوْتى نَسُوا شَوْقَ الحياةِ وعزمها
وتحرّكوا كَتَحرُّكِ الأنْصابِ
وخبا بهمْ لَهَبُ الوجودِ فما بقوا
إلاَّ كمحترقٍ من الأخْشابِ
لا قلبَ يقتحمُ الحياةَ ولا حِجًى
يَسْمو سُمُوَّ الطَّائرِ الجوّابِ
بل في التُّرابِ المَيْتِ في حَزْن الثَّرى
تنمو مَشاعِرُهُمْ مع الأعشابِ
وتموت خامِلَةً كزهرٍ بائسٍ
ينمو ويذبُل في ظلامِ الغابِ
أبداً تُحدِّقُ في التُّرابِ ولا ترى
نورَ السَّماءِ فروحُها كتُرابِ
الشَّاعرُ الموهوبُ يَهْرِقُ فنَّه
هدراً على الأقدامِ والأعْتابِ
ويعيشُ في كونٍ عقيمٍ ميِّتٍ
قَدْ شيَّدتْهُ غباوةُ الأحقابِ
والعالِمُ النَّحريرُ يُنْفِقُ عُمْرَه
في فَهْمِ ألفاظٍ ودَرسِ كِتابِ
يحيا على رِمَمِ القَديمِ المجتَوى
كالدُّود في حِمَمِ الرَّمادِ الخابي
والشَّعبُ بينهما قطيعٌ ضائعٌ
دنياهُ دنيا مأكلٍ وشَرابِ
الويلُ للحسَّاس في دنياهُمُ
ماذا يلاقي من أسًى وعَذابِ

أَلا أَيُّها الظَّالمُ المستبدُّ
حَبيبُ الظَّلامِ عَدوُّ الحيَاهْ
سَخرْتَ بأَنَّاتِ شَعْبٍ ضَعيفٍ
وكَفُّكَ مخضوبَةٌ من دمَاهْ
وسِرْتَ تُشَوِّهُ سِحْرَ الوُجُودِ
وتبذُرُ شوكَ الأَسى في رُبَاهْ
رُوَيْدَكَ لا يخدعنْك الرَّبيعُ
وصحوُ الفضاءِ وضوءُ الصَّباحْ
ففي الأُفُق الرَّحْبِ هولُ الظَّلامِ
وقصفُ الرُّعُودِ وعَصْفُ الرَّياحْ
حَذارِ فَتَحْتَ الرَّمادِ اللَّهيبُ
ومَنْ يبذُرِ الشَّوكَ يَجْنِ الجراحْ
تأَمَّلْ هنالِكَ أَنَّى حَصَدْتَ
رؤوسَ الوَرَى وزهورَ الأَملْ
وَرَوَّيْتَ بالدَّمِ قَلْبَ التُّرابِ
وأَشْربتَهُ الدَّمعَ حتَّى ثَمِلْ
سيجرُفُكَ السَّيْلُ سَيْلُ الدِّماءِ
ويأْكُلُكَ العَاصِفُ المشتَعِلْ

ألا إنَّ أحْلامَ الشَّبابِ ضَئيلَةٌ
تُحَطِّمُها مثلَ الغُصونِ المَصائبُ
سألتُ الدَّياجي عنْ أماني شَبيبَتي
فقالتْ تَرامَتْها الرِّياحُ الجَوائِبُ
ولمَّا سألْتُ الرِّيحَ عنها أجابَني
تَلَقَّفَها سَيْلُ القَضا والنَّوائبُ
فَصارتْ عَفاءً واضْمَحَلَّتْ كَذَرَّةٍ
على الشَّاطئ المَحْمومِ والموجُ صاخِبُ

ما لآفاقِكَ يا قلبيَ سوداً حالكاتْ
ولأوْرادِكَ بَيْنََ الشَّوْكِ صُفراً ذاوياتْ
ولأطْياركَ لا تلغو فأينَ النَّغَماتْ
ما لمِزْمارِكَ لا يشدو بغير الشَهَقاتْ
ولأوتارِكَ لا تَخْفُقُ إلاَّ شاكِياتْ
ولأنغامِكَ لا تَنْطُقُ إلاَّ باكِياتْ
ولقد كانتْ صَباحَ الأمْس بَيْنَ النَّسَماتْ
كعذارى الغابِ لا تعرِفُ غيرَ البَسَماتْ
هو ذا يا قلبيَ البَحْرُ وأمواجُ الحياةْ
هو ذا القارِبُ مشدوداً إلى تِلْكَ الصَّفاةْ
هو ذا الشاطئُ لكنْ أينَ رُبَّانُكَ ماتْ
أين أحلامُك يا قلبي لقد فاتَ الفَواتْ
تِلْكََ أطيارٌ أنيقاتٌ طِرابٌ فرِحاتْ
غرَّدتْ ثمَّ توارتْ في غياباتِ الحَياةْ
أَنْتَ يا قلبيَ قلبٌ أنضجَتْهُ الزَّفَراتْ
أَنْتَ يا قلبيَ عُشُّ نَفَرَتْ عنهُ القَطَاةْ
فأطارَتْهُ إلى النَّهْرِ الرِّياحُ العاتِياتْ
فَهو في التيَّار أوراقٌ وأعوادٌ عُراةْ
أَنْتَ حقلٌ مُجْدبٌ قَدْ هَزَأتْ منه الرُّعاةْ
أَنْتَ ليلٌ مُعْتِمٌ تَنْدُبُ فيه الباكياتْ
أَنْتَ كهفٌ مظلِمٌ تأوي إليه البائِساتْ
أَنْتَ صرْحٌ شادَهُ الحُبُّ على نهرِ الحياةْ
لِبَناتِ الشِّعْرِ لكنْ قوَّضَتْهُ الحادِثاتْ
أَنْتَ قبرٌ فيه من أيامِيَ الأولى رُفاتْ
أَنْتَ عودٌ مزّقت أوتارَه كفُّ الحياةْ
فهو في وحشته الخَرساءِ بَيْنَ الكائِناتْ
صامتٌ كالقبرِ إلاَّ من أنينِ الذِّكريات
أَنْتَ لحنٌ ساحرٌ يَخْبُطُ في التِّيهِ المَواتْ
أَنْتَ أنشودةُ فَجْرٍ رتَّلَتها الظُّلُماتْ
أَيُّها السَّاري مع الظُّلْمةِ في غير أناةْ
مُطرِقاً يَخْبُطُ في الصحراءِ مَكْبوحَ الشَّكاةْ
تُهْتَ في الدُّنيا وما أُبْتَ بغيرِ الحَسَراتْ
صلِّ يا قلبي إلى الله فإنَّ الموتَ آتْ
صَلِّ فالنّازعُ لا تبقى له غيرُ الصَّلاةْ

يا ربَّةَ الشِّعرِ والأَحلام غنِّيني
فقد سَئِمْتُ وُجومَ الكونِ مِنْ حينِ
إنَّ اللَّيالي اللَّواتي ضمَّختْ كَبِدِي
بالسِّحْرِ أَضْحتْ مع الأَيَّامِ ترميني
نَاختْ بنفسي مآسيها وما وَجَدَتْ
قلباً عطوفاً يُسَلِّيها فَعَزِّيني
وهدَّ مِنْ خَلَدِي نَوْحٌ تُرَجِّعُهُ
بَلْوَى الحَيَاةِ وأَحزانُ المَسَاكينِ
على الحَيَاةِ أَنا أَبكي لشَقْوَتِها
فمنْ إِذا مُتُّ يبكيها ويبكيني
يا رَبَّةَ الشِّعْرِ غنِّيني فقد ضَجِرَتْ
نفسي منَ النَّاسِ أبناءِ الشَّياطينِ
تَبَرَّمَتْ بينيَ الدُّنيا وأَعوَزَها
في مِعزفِ الدَّهرِ غرِّيدُ الأَرانينِ
وراحَةُ اللَّيلِ ملأَى مِنْ مدامِعِهِ
وغادَةُ الحبِّ ثَكْلى لا تغنِّيني
فهلْ إِذا لُذْتُ بالظَّلماءِ مُنْتَحِباً
أَسلو وما نَفْعُ محْزونٍ لمحزونِ
يا ربَّةَ الشِّعرِ إنِّي بائسٌ تَعِسٌ
عَدِمْتُ مَا أَرتجي في العالمِ الدُّونِ
وفي يديكِ مزاميرٌ يُخالِجُها
وَحْيُ السَّماءِ فهاتيها وغَنِّيني
ورتِّلي حولَ بيتِ الحُزْنِ أُغنيةً
تجلُو عن النَّفسِ أَحوانَ الأَحايينِ
فإنَّ قلبيَ قبرٌ مُظلمٌ قُبِرَتْ
فيهِ الأَماني فما عادتْ تناغيني
لولاكِ في هذه الدُّنيا لمَا لَمَسَتْ
أَوتارُ روحِيَ أَصواتَ الأَفانينِ
ولا تَغَنَّيْتُ مأخوذاً ولا عَذُبَتْ
ليَ الحَيَاةُ لدى غَضِّ الرَّياحينِ
ولا ازدهى النَّفْسَ في أَشْجانها شَفَقٌ
يُلوِّنُ الغَيْمَ لهواً أَيَّ تلوينِ
ولا استخفَّ حياتي وهيَ هائمةٌ
فجرُ الهَوَى في جفونِ الخُرَّدِ العِينِ

يا قَوْمُ عَيْنَيّ شامَتْ
للجَهْلِ في الجوِّ نارا
تَتْلو سَحاباً رُكاماً
يَتْلو قَتاماً مُثارا
يُثيرُ في الأرضِ ريحاً
يُهيجُ فيها غُبارا
تُلْفي الشَّديدَ صَريعاً
تُبْقي الأديبَ حِمارا
مِنها الفَضاءُ ظَلامٌ
والنَّاسُ منْها سُكارى
قَدْ أوْرَثَتْهُمْ دُواراً
وأعْقَبَتْهُمْ خُمارا
لا يَعْرِفُ المَرْءُ مِنها
لَيْلاً رأى أمْ نَهارا
يَخالُ كُلَّ خَيالٍ
سَرَى تَسَرْبَلَ فارا
يا قَوْمُ سِرتُمْ حَثيثاً
خُطًى وَرَاءً كِبارا
نَبَذْتُمُ العِلْمَ نَبْذَ ال
نَّوى قِلًى وصَغارا
لَبِسْتُم الجَهْلَ ثَوْباً
تَخَذْتُموهُ شِعارا
يا قَوْمُ مَا لي أراكُمْ
قَطَنْتُمُ الجَهْلَ دارا
أضَعْتُمُ مَجْدَ قَوْمٍ
شادوا الحَياةَ فَخارا
أبْقوا سَماءَ المَعالي
بِما أضاءوا مَنارا
حاكوا لَكُمْ ثَوْبَ عِزٍّ
خَلَعْتُموهُ احتِقارا
ثمَّ ارتديتم
لَبوسَ خِزيٍ وعارا
يا لَيْتَ قَوْمي أصاخوا
لِما أقولُ جِهارا
يا شِعْرُ أسْمَعْتَ لكِنْ
قَوْمي أراهُمْ سُكارى
فلا تُبالِ إِذا مَا
أعْطوا نِداكَ ازْوِرارا
واصبِرْ على مَا تُلاقي
واصْدَعْ وُقيتَ العِثارا

يا قلبيَ الدَّامي إلامَ الوُجومْ
يَكْفيكَ إنَّ الحُزْنَ فظٌّ غَشُومْ
هذي كؤوسي مُرَّةً كالرَّدى
مَا مِلْؤُها إلاَّ عصيرُ الهُمومْ
وذاكَ نايِي صامتٌ واجِمٌ
يُصغي إلى صوتِ الغَرامِ القديمْ
يا قلبيَ الباكي إلامَ البُكَا
مَا في فضاءِ الكونِ شيءٌ يدومْ
فانثُرْ غُبارَ الحُزْن فوقَ الدُّجَى
واسمعْ إلى صوتِ الشَّبابِ الرخِيمْ
وانقُرْ على دَفِّ الهَوَى لحنَهُ
وارقُصْ مَعَ النُّورِ الضَّحوكِ الوسيمْ
يا قلبيَ الدَّاجي إلامَ الوُجومْ
إنْ لمْ أَلُمْ قلبي فَمَنْ أَلومْ
مَا لَكَ لا تُصغي لغيرِ الأَسى
مَا لَكَ لا ترنو لغيرِ الكُلُومْ
مَا لَكَ قَدْ أصْبَحْتَ لا تصرفُ الأَيَّامْ
إلاَّ في شِعابِ الجَحيمْ
أَما تَرَى البُلْبُل في غابِهِ
يشدو وفوقَ الغابِ تخطُو النُّجُومْ
أما تَرَى الأَسحارَ تبدو بها الغابات
كالأَحلام خلفَ السَّديم
أَما ترى الآمالَ في سِحْرِها
أَما ترى اللَّيلَ يُنَاغي النُّجُومْ
يا قلبيَ الدَّاجي إلامَ الوُجومْ
أكثرتَ يا قلبي فماذا ترومْ
هلْ تَحِسَبُ الأَيَّامَ في زَحْفِها
ترثِي لمَنْ قَدْ هَدَّمَتْهُ الرُّجومْ
كَلاّ فإنَّ الدَّهْر يمضي ولا
يلوي على مَا خَلْفَهُ مِنْ كَلِيمْ
واليمُّ لا يَرْثِي لمَنْ طمَّهُ
والسَّيْلُ لا يبكي لنَوْحِ الهَشِيمْ
والعاصِفُ الجبَّار في سُخْطِهِ
لا يَرْحَمُ الغُصْنَ الرَّشيقَ القَوِيمْ
هذي هيَ الدُّنيا فمَاذَا الأَسى
يا قلبيَ الدَّامي وماذا الوُجُومْ


الساعة الآن 12:16 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. By wadifatima
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات دلع الترفيهية